U3F1ZWV6ZTkyMzU4Njc2MzA1NjBfRnJlZTU4MjY3ODM5MzQ1ODI=

الشِّفاهيّ والكِتابيّ في درس التعبير والإنشاء (ج 2)

  - تـتـمـة -

يهمنا، في هذا السياق، التوقف عند مرحلة السلك الثانوي الإعدادي تحديدا، بالنظر إلى تموقعه، كمرحلة انتقالية، بين السلك الابتدائي والسلك الثانوي التأهيلي، قصد استجلاء طبيعة المقاربة التربوية والديدكتيكية التي خُصّ بها تدبير درس التعبير والإنشاء.

            6-   توصيف المنهاج للمهارات المستهدفة

يمثل درس التعبير والإنشاء بالسلك الثانوي الإعدادي والتأهيلي، مكونا رئيسا في منهاج اللغة العربية. فهو جامع لما تفرق في باقي المكونات، كالقراءة والنحو والصرف والتحويل والإملاء وغيرها، بل إن الأمر لا يقتصر على هذه المكونات وحدها فحسب؛ وإنما يُجاوزها إلى باقي المواد الدراسية الأخرى كاللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والتربية الإسلامية والعلوم بأنواعها.

واعتبارا لهذه الأهمية الكبرى التي تستهدف تحقيق التواصل الشفاهي والكتابي معا، لدى المتعلم بالمدرسة المغربية، تم تبنّي مدخل الكفايات في إعداد البرنامج الدراسي، بحسب المستوى والفئة المستهدفة. كما تم اقتراح تدابير تربوية متنوعة لتقديم المادة الدراسية، وفق ما جد من تقنيات التواصل في ارتباطها بمجالات المضامين والقيم. ولأن درس مكون التعبير والإنشاء يقوم على اللغة؛ فإن هذه الأخيرة تشكل "أهم آليات التواصل وتقنيات التبليغ ونقل الخبرات والمعارف والتعلمات من الأنا إلى الغير أو من المرسل إلى المخاطب. وهذه اللغة ذات مستويين سلوكيين: لفظي وغير لفظي. وقد استفادت مجموعة من العلوم والمعارف والفنون من تقنيات التواصل من أجل أجرأة أهدافها السلوكية وتحقيق الغايات التي رسمتها على المدى القريب والمتوسط والبعيد. ومن بين هذه العلوم نستحضر: علم البيداغوجيا والديدكتيك الذي يقوم بالأساس على التواصل الإنساني والتفاعلات اللفظية وغير اللفظية." (حمداوي جميل. 2009. ص67)

يتكون مسلك الثانوي الإعدادي، من ثلاث سنوات دراسية تتأطر منهجيا، بمجموعة من التوجيهات المرتبطة بتحديد المرتكزات والأهداف والكفايات المراد بلوغها، كما تتجلى في تنظيم وتوزيع المضامين والمكونات وفق الدورات الدراسية. ويشكل درس التعبير والإنشاء أحد هذه المكونات.

جاء في التوجيهات التربوية التعريف الآتي: "يعتبر هذا المكون منتهى الأنشطة ومقصدها، إذ يفسح المجال أمام المتعلم للتعبير عن أفكاره، واستثمار مكتسباته، وإظهار قدراته اللغوية والفكرية والمنهجية. ولذلك فهو مجال لاكتساب مهارات تساعد على تنظيم المعرفة والتطبيق عليها والإنتاج على نمطها، وبالتالي فهو مكون أساسي لتحقيق التنشئة الكتابية لدى المتعلم." (التوجيهات التربوية. 2009. ص26)  

وهو تعريف شامل يؤكد أهمية هذا المكون في امتلاك التلميذ لغة عربية سليمة خالية من التعثرات والأخطاء، انطلاقا من ضبط مخارج حروفها وحفظ قواعدها وتمثل بلاغتها لحظة التعبير عن ذاته من ناحية، وأثناء التفاعل مع الآخر اللغوي من ناحية ثانية. ولن يتأتى للمتعلم ذلك إلا باستثمار مكتسباته السابقة، المضمرة منها والصريحة، في باقي المكونات الأخرى، وأيضا باستحضار ذاكرته المجتمعية وشخصيته الثقافية. وعملا برط الصلة بين النظري والتطبيقي، تضَمَّن برنامج مكون التعبير والإنشاء مجموعة من الدروس على شكل مهارات مقسمة بحسب السنوات والدورات. وتجمل في الجدول التوصيفي الآتي: (التوجيهات التربوية. 2009. ص26/27)  

المستوى

الدورة الأولى

الدورة الثانية

السنة الأولى

- التفسير والتوسيع:

- تفسير وتوسيع فكرة أو قولة أو مقطع شعري أو موقف إنساني أو اجتماعي....

- التوثيق:

- التدريب على البحث عن المعلومات وكيفية معالجتها وتنظيمها في ملفات

- الإنتاج الصحفي:

- كتابة قصاصات لإعداد جريدة القسم..

- جمع قصاصات دالة على موضوعات لها علاقة بالمجال القرائي..

- رواية خبر نقلا عن مصدر معين..

- كتابة الرسائل:

- التدريب على كتابة رسائل لأغراض مختلفة: الشكر والامتنان، التهنئة، التعزية..

السنة الثانية

-      التلخيص:

-      التدريب على تقنيات تلخيص نص.

-      التقرير:

-      التدريب على كتابة تقرير حول حدث او شريط أو ظاهرة.

-      التصميم:

-      التدريب على بناء تصميم لموضوع معين (مهارة التقديم. محتوى الموضوع. الخلاصات

-      التحويل:

-      التدريب على تحويل غرض أو موضوع أو شكل أو وضعية.

-      المحاكاة:

-      التدريب على محاكاة أدوار اجتماعية انطلاقا من مواقف داخل الأسرة أو المجتمع لحل مشكلات بيئية وسكانية وحقوق الإنسان.

السنة الثالثة

-      خطاب السرد والوصف:

-      التدريب على كتابة يوميات. وصف رحلة. وصف شخوص. بطاقة بريدية..

-      خطاب الحجاج:

-      التدريب على التعقيب والتعليق

-      الدفاع عن وجهة نظر

-      التخييل والإبداع:

-      التدريب على كتابة سيرة ذاتية او غيرية

-      التدريب على تخيل حكاية عجيبة أو قصة من الخيال العلمي.

-      النقد والحكم:

-      التدريب على إصدار أحكام قيمية بسيطة على أعمال إبداعية متنوعة

الملاحظة الأولى المتعلقة بهذا البرنامج، المعلن عنه بالتوجيهات التربوية، تتمثل في تنوع المهارات المقترحة للتدريس، انسجاما مع مستويات الإدراك للفئة المتعلمة من جهة (تلاميذ السلك الإعدادي)، ومراعاة، من جهة أخرى، صلتها بالمجالات والكفايات المستهدفة بكل سنة دراسية، ممثلة في الكفاية اللغوية والتواصلية والثقافية والمنهجية. والجدير بالذكر أن جل المهارات المذكورة، بما فيها إنتاج نص سردي وكتابة سيرة ذاتية أو غيرية والتعليق على حدث وتحرير رسالة وغيرها، تجد لها موقعا في الكتاب المدرسي لمادة اللغة الفرنسية، مما يعكس إيجابية التداخل والامتداد بين المواد التعليمية. (البرامج والتوجيهات، 2009، ص68) فلاريب أن ذاكرة المتعلم تحتفظ ببعض ما اكتسبت من معلومات وإفادات في مادة/ مواد غير العربية، وقد تستعيدها، على سبيل الاقتباس والتضمين والاستعانة، لحظة التواصل أو التعبير، بشقيه الكتابي والشفاهي.

أما الملاحظة الثانية فتعود إلى ملمح التدرج في تقديم هذه الدروس وفق تسلسل منطقي وبيداغوجي. يزاوج بين البسيط والمركب ويضمن، بالتالي، تفاعل المتعلمين مع المضامين والقيم المستعرضة. ويستلزم ذلك وضع منهجية خاصة بكل مهارة تُستحضر فيها أسناد مناسبة وداعمة، كالنصوص والصور والمشاهدات وما إلى ذلك. كما تستحضر فيها مجموعة من الكفايات تروم تحقيق جملة أهداف، على رأسها سلامة الفهم وتنظيم الأفكار وجودة الإنتاج الشخصي/ الكتابة.

ولعل الرهان القائم على تحسين أداء المتعلم الشفاهي والكتابي في ذات الآن، يمثل الملاحظة الثالثة، إذ يتم فيها التركيز على التداريب والأنشطة الصفية. ولا شك أن المدرس، خلال تقديمه لمهارات السرد والوصف والحجاج والنقد والتحويل والتلخيص والتقرير وما إليها، معني بتحقيق الكفايات الأساسية، المعلن عنها سابقا. لكن ماذا الآن، عن منهجية التدريس؟

2-   آليات التدبير الديدكتيكي

لاختبار مدى تفاعل المتعلم مع المهارات المقترحة، وبيان مدى تمكنه من إدماج تعلماته وتوظيفها في وضعيات تعبيرية مختلفة، وضعت أنشطة ديدكتيكية لتدبير منهجية درس التعبير والإنشاء، ممثلة في الحوار والعرض والمناقشة وتبادل الأدوار وما إليها. وهي أنشطة وزعت إلى أربع مراحل رئيسة هي: مرحلة الاكتساب ومرحلة التطبيق ومرحلة الإنتاج ثم مرحلة التصحيح والتقويم. وكل مرحلة، من هذه المراحل، حددت لها حصة زمنية مدتها ساعة واحدة، وتخضع لتخطيط مسبق من قبل المدرس. والقصد من عملية التخطيط، كما تقول به الوثائق الرسمية هو "جملة إجراءات وأفعال التي يقوم بها المخطط لغرض معين.. يخضع لسلسلة من الأفعال المنظمة زمنيا" (مجزوءة التخطيط. ص41)  وتتم أجرأة هذا التخطيط في بطاقة أو جذاذة واصفة تشمل معلومات، عامة وخاصة، بالمستوى الدراسي والموضوع والحصة الزمنية، وكذا الوسائل والأهداف والكفايات وغيرها، بالإضافة إلى محتوى الأنشطة التعليمية والتعلمية يُراعى فيها تراتبية المقاطع البيداغوجية، عند كل مرحلة.

تجدر الإشارة، بخصوص عملية التخطيط في علاقتها بالجذاذة، إلى أنه ليست هناك وصفة جاهزة أو نهائية لتخطيط درس. فالأمر يتعلق بمدى قدرة واجتهاد المخطط/ المدرس ورؤيته التربوية لتمرير خطته الاستراتيجية، تحضيرا وتدبيرا وتقويما.  وثمة نماذج ومقترحات كثيرة مطروحة في الطريق، بتعبير الجاحظ، يمكن الاستئناس بها. فالجذاذة قد تكون أفقية كما يمكن أن تكون عمودية، فالأمر سيان. غير أن الشرط الوحيد المفترض تحقق في الجذاذة أن تنضبط للمحتوى التعليمي وتلتزم بالحصيص الزمني وأن تراعي التفاوتات العقلية والجسدية والوجدانية بين المتعلمين والمتعلمات، ثم أخيرا ضمان سلامتها المعرفية والمنهجية وتحيين آلياتها التربوية أثناء الانتقال من مقطع تعليمي إلى آخر، داخل كل مرحلة. فماذا عن المراحل الأربع وعن تدبيرها الديدكتيكي؟   

أولا، مرحلة الاكتساب وينطلق فيها المدرس من أسئلة الإعداد القبلي بما فيها من أسئلة توجيهية من داخل الكتاب المدرسي أو خارجه. وهي اختبار ضمني من المدرس يقيس به درجة التعلم الذاتي للمتعلم، ومدى استعداده لاستقبال مكتسبات جديدة. ويفضل أن تكون هذه الأنشطة تفاعلية لا أحادية، تستحضر فيها اللغة والتعبير السليم، عبر وسائل ومعينات ديدكتيكية متنوعة ومناسبة، تتم عن حيوية المدرس وإبداعه التربوي.

ثانيا، مرحلة التطبيق، واسمها يدل عليها، إذ يُعد المدرس أعمالا تطبيقية لها صلة بالمهارة المدروسة، مُستثمرا ما قدم في أنشطة الاكتساب. ولهذا الغرض يمكن للمدرس الاستعانة بنص مساعد مثلا ينطلق منه، ثم يشرف على متابعة إنجاز المتعلمين. وفي هذه المرحلة يُتوخى حرص المدرس على تثمين أجوبة المتعلمين ودعم آرائهم ومناقشتها وفق ما يقتضيه أسلوب الحوار، الذي يتداخل فيها المقروء والمسموع والمرئي.

ثالثا، مرحلة الإنتاج وهي مناسبة للمتعلم كي يعبر فيها عن شخصيته ومدى استيعابه لعناصر المهارة. وقد يتبين ذلك، من خلال استثمار حصيلته المعرفية وتوظيف لغته العربية في الإبانة عن سلامة فهمه والدفاع عن آرائه واختياراته. وهي مرحلة أيضا، تروم قياس درجة الانسجام التي حققها المتعلم في منجزه الكتابي مع متطلبات المهارة المستهدفة.  

رابعا وأخيرا، مرحلة التقويم وتخصص للنظر في ما اعترى منجز المتعلمين من أخطاء إملائية ولغوية ونحوية وصرفية، وما تخللها من مشاكل في الصياغة وتركيب الجمل. فالغاية معرفة نوعية الأخطاء وطبيعة التعثرات أولا ثم العمل على تصحيحها أو معالجتها ثانيا. وينبغي أن يتم التصحيح، سواء كان جماعيا أم فرديا، وفق عناصر ومؤشرات محددة وتبعا لجملة الكفايات المستهدفة. بذلك، يسهل على المدرس تفريغ شبكته وتقويم عناصرها من ناحية، كما يسهل على المتعلم الإفادة منها والعمل بها من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد تحضر أنواع كثيرة من شبكات التقويم؛ لكنها تلتقي جميعها، في السعي الحثيث لضمان تقويم تكويني وموضوعي لأداء المتعلمين، يبتعد قدر الإمكان من الذاتية والمزاجية. وتضم هذه الشبكات التقويمية مجموعة معايير أو بنود منها الملاءمة والاستعمال السليم للموارد والانسجام والإتقان والتميز. ونورد النموذج الآتي، وهي نموذج شبكة لتقويم "مهارة الرسالة". (آيت أوشان علي، 2010، ص78)

الرقم الترتيبي

البنود

سلم التنقيط

1

تصميم الرسالة (الاستهلال - العرض - الخاتمة)

 

2

الالتزام بموضوع الرسالة

 

3

تسلسل الأفكار

 

4

سلامة اللغة

 

5

علامات الترقيم

 

6

تنظيم الورقة، والكتابة بخط واضح

 

 

المجموع

 

والجدير بالذكر أن مؤلفي الكتب المدرسية الثلاثة (مرشدي/ الأساسي / المختار) الخاصة بمادة اللغة العربية والموجهة إلى تلاميذ السنة الثالثة إعدادي مثلا، قد اتفقوا بشأن تقسيم مراحل الدرس (مكون التعبير والإنشاء) إلى ثلاثة أنشطة رئيسة هي: أنشطة الاكتساب وأنشطة التطبيق ثم أنشطة الإنتاج. وخلال كل نشاط توجه مجموعة من الأسئلة إلى التلميذ بقصد الإجابة عنها لبلوغ الغاية من مهارات: الحجاج والسرد والوصف والتخييل والإبداع والنقد والحكم. غير أن ملاحظة تبدت لنا تتعلق باختلاف مؤلفي كتاب (الأساسي) بتقديم خطاب الحجاج على السرد والوصف كما عند مؤلفي (المختار) و(مرشدي).

عدا ذلك تبقى نصوص الأنشطة المقترحة، في هذه المقررات، وفيه للمنهاج التربوي، بما تطرحه من بدائل بيداغوجية للدعم والتقوية ووسائل ديدكتيكية لاكتساب المهارات واستثمار القيم والمجالات. وحرصا على تحقيق الغايات المنشودة من تدريس مكون التعبير والإنشاء، كان الاشتغال بالكفايات أمرا مشروعا استدعى من المؤلفين ضرورة انتقاء واصطفاء نصوص انطلاق مساعدة تفي بالغرض.

هكذا، تشكل المراحل الأربع دعامة أساسية لتدبير درس التعبير والإنشاء بالسلك الإعدادي، وتوفر للمتعلم زادا لغويا ومعرفيا ووجدانيا يؤهله للمضي قدما نحو اقتحام عالم الكتابة، بالانتقال من مرحلة التقليد وترديد المسكوكات أو النسج على منوال تراكيب وصيغ منتقاة إلى التعلم الذاتي والإبداع الشخصي حيث الرغبة في الحصول، من مدرسه، على مكافأة أو تقدير جيد يشيد بفكره المنتظم وتعبيره السليم.

واستكمالا للمنظور التربوي بالسلك الثانوي الإعدادي، في تركيزه على درس التعبير والإنشاء إلى جانب الدرس القرائي والدرس اللغوي، فقد وضعت التوجيهات التربوية مواصفات محددة للمتعلم في نهاية هذه المرحلة (السنة الثالثة إعدادي تحديدا)، وجب على المدرس أن يأخذها بعين الاعتبار وأن يعيها "من أجل التحكم في مخرجات التعلم بطريقة استباقية." (التوجيهات التربوية، 2009، ص9) وقد ارتبطت هذه المواصفات بالكفايات والمضامين تارة وبالقيم والمقاييس الاجتماعية تارة أخرى. وتمثل الكفايات المعرفية والتواصلية والمنهجية والاستراتيجية أهم العلامات لقياس مدى تجاوب المتعلم مع الحصيلة التربوية التي قدمت له خلال السنوات الثلاث، وكذا لقياس درجة تفاعله مع المكتسبات اللغوية والفكرية والقيمية. فامتلاك المتعلم للمهارات المذكورة من شأنها أن تمنحه القدرة على جمع المعلومات وتنظيم الأفكار وحسن التواصل مع الآخر واتخاذ المواقف والقرارات السليمة. (التوجيهات التربوية، 2009، ص9).

لعلها، نظرة شمولية لبناء المنهاج تستند إلى مرتكزات لا تُفاضِل بين الكفايات لأنها ممتدة في سائر الدرسات والمواد وفي سائر المضامين المقترحة بحكم صلتها الوطيدة بواقع المتعلم ومحيطه الخارجي. وإذا كان التوجه يقتضي التنويع في المعارف والمهارات؛ فإن ذلك لا يمنع من "النظر إلى مادة اللغة العربية على أنها جزء لا يتجزأ، وأن درساتها تتعاون فيما بينها لتحقيق الكفايات." (التوجيهات التربوية، 2009، ص14) ومن ثمة، كان حرص المدرس، قدر الإمكان، على تنويع أنشطته التربوية بالتركيز على الجوانب اللغوية والفكرية والقرائية والإبداعية، حتى يمنح المتعلم إمكانيات العبور بسلاسة، من ضفة الشفاهية بحمولتها الثقافية والتراثية إلى ضفة الكتابة بحمولته الوظيفية والإبداعية.

إنه عبور منهجي لا تدعمه كفايات المدرس، إعدادا وتدبيرا فحسب؛ وإنما تساهم فيه أيضا، رغبة المتعلم وطموحه في إتقان اللغة، بمستوياتها المتعددة، وفي حسن استثمار تقنيات التعبير في تواصلاته اليومية والمدرسية.      

3-   تقصّي الإشكالات

بالرغم من النجاح الذي تحقق، في السنوات الأخيرة، على مستوى تنزيل المنهاج وتنفيذ البرامج الدراسية، فقد أظهر الواقع التربوي والتعليمي عكس الطموحات المعلن عنها في التوجيهات الرسمية والبرامج الخاصة بمادة اللغة العربية، إذ لا يزال المتعلم المغربي، إلا في ما ندر، يتخبط في الأخطاء ويتعثر في القراءة، لأسباب متعددة، منها الذاتي والموضوعاتي ومنها الفردي والجماعي. فإذا كان، من المفترض، أن تلميذ السنة الثالثة من السلك الثانوي الإعدادي قد قطع أشواطا تعليمية مهمة؛ فإننا نجده في كثير من الإنتاجات الإنشائية التي ينجزها، بمعية المدرس أو بمفرده، لا ترقى إلى المستوى المطلوب. وهو ما يحيل إلى الخلل المعرفي والمنهجي الذين يخترقان مساره في التعلم، بسبب سوء اندماجه مع الوسط المدرسي وافتقاره إلى الحافزية. تلك التي أصبحت اليوم، موضوع عدد من الأبحاث والدراسات التربوية، باعتبارها مدخلا رئيسا لتطوير التعلمات والحد من الإشكالات والصعوبات الممكنة. ولهذه الحافزية مبادئ وشروط بيداغوجية تقوم عليها.

إن الحديث عن جملة التعثرات والإشكالات التي ترافق المنجز الكتابي للمتعلمين، له ارتباط وجيه بأسباب عديدة يتداخل فيها النفسي والاجتماعي والتربوي. ولعل أهم التعثرات المصاحبة لدرس التعبير والإنشاء، التي صادفناها في مقروء المتعلمين والمتعلمات، بالسنوات الإعدادية الثلاث، تتعلق أساسا باستعمال اللغة نفسها، حيث الخلط بين العامي والفصيح من جهة، وتسرب الشفاهي إلى المكتوب، من جهة ثانية ومشكل الازدواجية، إن لم نقل التعددية اللغوية التي يعاني منها التلميذ، من جهة ثالثة. علاوة على الأخطاء المتصلة بضبط ورسم بعض الكلمات وبعدم القدرة على التمييز بين همزة الوصل والقطع واستعمال الضمير ومشكل التقديم والتأخير، وأيضا ما اتصل بدروس المنصوبات والعدد والتذكير والتأنيث والاشتقاق وغيرها مما لا غنى للمتعلم من معرفته وحسن توظيفه حين يطالب بتحرير موضوع إنشائي متكامل. ينضاف إلى هذا وذاك، شح في الذاكرة وضمور في المحفوظ. فالتعبير، في بعده الإنشائي عند المتعلم، ظل لصيقا بالأرض ولم يبرح مكانه من حيث الدهشة والإبداع.  

ويقصد بالخطأ، داخل الفصل الدراسي، "كل تحريف أو تصحيف لكلمة أو تعبير، كأن يوظف التلميذ مفردة في غير محلها، أو يرسم أحد حروف هذه المفردة بشكل يخالف الرسم السليم لهان أو يحيد عن القواعد النحوية والصرفية، التي تضبط الاستعمالات اللغوية السليمة. وغالبا ما يصنف الخطأ، تبعا لذلك إلى خطأ نحوي، صرفي، لغوي، تعبيري، وإملائي. وهو، أي الخطأ، في لآخر المطاف، يقابل الصواب لأن الخطأ يستدعي بالضرورة وجود الصواب؛ غير أن ثمة، بعض المواقف التعليمية والتربوية تفضل الحديث عن (الغلط) عوض استعمال لفظة (الخطأ) التي تحمل معاني ضمنية تدل على التنقيص وتتضمن غدانة غير مباشرة لمن ارتكبه." (زنيبر أحمد. 2007. الوضع اللغوي في الفصل الدراسي. ص47)

لا شك أنها أخطاء كثيرة ومثيرة، من شأنها أن تشوش على معنى النص/ المكتوب، وأن تعطي الانطباع السلبي على طبيعة ما اكتسبه المتعلم في السنوات السابقة من السلك الابتدائي. هنا يبزغ السؤال الإشكالي متفرعا إلى زاويتين، تاريخية وتربوية في ذات الآن، هو: من المسؤول؟ ليبقى الإشكال معلقا حتى إشعار آخر.

وإذا كانت النماذج الجيدة من إنشاءات بعض المتعلمين والمتعلمات تشكل استثناء؛ فإن باقي النماذج لم تسلم من الأخطاء المتداولة والمتكررة. وقد لاحظنا ذلك حين تصفحنا لعدد من دفاتر الدروس وأوراق التحرير، خلال زياراتنا الميدانية للأساتذة المتدربين بالمراكز الجهوية للتربية والتكوين. ويمكن الاكتفاء بعرض عينة منها تخص بعض الجمل والتراكيب والصيغ التعبيرية، التي تجمعت فيها أخطاء متنوعة في النحو والصرف واللغة والإملاء نحيل إلى مكانها بوضع سطر تحتها. وهي عينة عشوائية كالآتي:

v   ألقى البوليس القبض على اللص

v   يشتغل أباه مهندزا

v   يقرأ والدي الجورنال في مكتبته

v   عند الإمتحان يعز المرؤ أو يهان

v   أدكر في صغري عندما كنت صغيرا

v   رأيت البواب من بعيد يحرص الباب

v   كان معلمي ظريف وجميل يحبه التلاميد

v   وقالت لي العجوزة اعطني فلوسا الله يرضي عليك

v   في صغري حضيت بحب والداي

v   وقعت لي مشكلة لم يحلها واحد

v   كم كنت سعيد بالنجاحي في الامتحان الآخير

v   كانت تصرف علي من ماهيتها الخاصة

v   ولم ينتهي من كلامه حتى مات

v   قرأت رسالته وقالت في نفسها ههههههه

إن هذه الجمل التعبيرية، وغيرها كثير، مما يمكن أن نصادف مثله في إنشاءات المتعلمين، ليست سوى غيض من فيض. فالعزوف عن القراءة وخلو الذاكرة من أي أثر للمحفوظ، ثم فقدان الثقة في الذات المتعلمة والانشغال بالوسائط الرقمية الجديدة، يربك السير العادي للعملية التعليمية التعلمية. هذا بالإضافة إلى ما يثيره التداخل بين العامي والفصيح من جهة، والتقاطع بين الشفاهي والكتابي، من جهة ثانية، من إشكالات تربوية خلال إنجاز الدرس. وهو ما يستدعي بذل الجهود، من قبل المهتمين والمشتغلين بالمجال، كل من موقعه، للوصول إلى تقويم تربوي سليم ينظر في المناهج والبرامج. 

وبالانتقال إلى السلك الثانوي التأهيلي بشعبتيه، الأدبية والعلمية، يكون المتعلم على موعد جديد مع هذا المكون، الذي إن اختلف من حيث البرنامج الدراسي باقتراح مهارات جديدة تناسب متعلمي المرحلة وطبيعتها الانتقالية؛ فإنه لا يختلف من حيث المبدأ والتصور والبناء المنهجي عن السلك الإعدادي القائم على التدريس بالكفايات، واعتماد المراحل الأربع ذاتها، مرتبة على التوالي: اكتساب فتطبيق وإنتاج ثم تقويم. فالهدف يظل واحدا وهو الارتقاء الفعلي بلغة المتعلم وفكره مع تنمية حسه النقدي والجمالي.

خاتمة

يبقى الحرص، أخيرا، وليس آخرا، على تجديد وتجويد منظومة التربية والتكوين قائما، من خلال التركيز على تدريسية المواد وفق استراتيجية تراهن على المتعلم دون أن تتخلى عن دور المدرس، فكلاهما يقعان في صلب العملية التعليمية التعلمية. وكذا من خلال المراهنة على إدماج تقنيات التعبير والتواصل باعتبارها أداة للارتقاء بسلوكيات المتعلم. ومن ثمة، فإن "التواصل الإنساني لا ينحصر في شقه الشفهي فقط، كما يتخيل البعض، بل إن جانبه الكتابي يشكل دعامة لا يمكن أن نغفلها، وكل قصور فيها يهدد بتقويض فعل الكتابة، خاصة إذا علمنا أن الإنتاجات العلمية أو الأدبية الإبداعية لا يمكنها أن تحصل إلا بامتلاك الكتابة كمهارة تعبيرية إنتاجية والتحكم في آلياتها." (الزياتي عز الدين. 2009. ص150)

أما المشاكل المرتبطة بضعف المستوى اللغوي والتعبيري، لدى المتعلمين، فيمكن معالجتها بالتشجيع على القراءة والمطالعة الحرة وكذا بالتحفيز على المبادرة والمشاركة في إنجاز الدرس عبر اقتراح أنشطة جماعية أو لعب أدوار مسرحية أو إلقاء عروض مثلا. وينبغي أن يراعى في هذه الأنشطة التزام الطرفين معا (المدرس والمتعلم) باللغة العربية، ليس فقط لأنها المادة المعنية بالتدريس؛ وإنما عملا بمقتضى الدستور الذي يعتبرها "اللغة الرسمية للبلاد، وحيث إن تعزيزها في مختلف مجالات العلم والحياة، كان ولا يزال وسيبقى طموحا وطنيا" (الميثاق الوطني، 1991، ص51)

ولأن الخطأ مصاحب للعملية التعليمية التعلمية بالضرورة؛ فحري بالمنظومة التربوية أن تعيد النظر في آليات الدعم والتقويم، درءا لتكريس الفوارق بين المتعلمين وأن يتجنب المدرس إطلاق النعوت السلبية على المتعلم من قبيل: الكسول والغبي والفاشل والمشاغب وما شابه. فالأمر متعلق تحديدا، بأشكال من التعثرات الطبيعية، ذات الصلة بالفهم والأداء؛ لكنها قابلة للمعالجة والاستدراك.

هكذا نخلص إلى أن درس التعبير والإنشاء، بالسلك الثانوي الإعدادي، تتمثل قوته في امتداداته مع باقي المكونات والمواد الأخرى، وفي تقاطعاته مع الشفاهي والكتابي. وبالتالي، فإن استحضار هاذين العنصرين (الامتداد والتقاطع) يساهمان في بلورة تصور ديدكتيكي ملائم، وأن تغييبهما من شأنه أن يعمق الهوة بين المتعلم وتدريسية اللغة، في ارتباطها بالمكون، موضوع هذه المداخلة.         


بيبليوغرافيا

-         باللغة العربية

Ø               ابن منظور (1993). لسان العرب. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1

Ø               احبدو ميلود.  (1991) سبل تطوير مناهج تدريس التعبير والإنشاء. مجلة علوم التربية. ع. 1 الرباط

Ø               احبدو ميلود. (1993). سبل تطوير المناهج التعليمية نموذج تدريس الإنشاء. دار الأمان. الرباط

Ø               أولحاج محمد.  (2001). ديداكتيك التعبير تقنيات ومناهج. دار الثقافة. الدار البيضاء

Ø               آيت أوشان علي. (2010). ديدكتيك التعبير والتواصل. دار أبي رقراق، الرباط

Ø               الحامدي أحمد. (2000). التعبير الشفوي وتعلم اللغة العربية. سلسلة التكوين التربوي. النجاح الجديدة. الدار البيضاء

Ø               حمداوي جميل. (2009). من مستجدات التربية الحديثة والمعاصرة. منشورات الزمن. الدار البيضاء

Ø               الدريج محمد. (2000). الكفايات في التعليم. سلسلة المعرفة للجميع. منشورات رمسيس. الرباط

Ø               الدريج محمد. (2004). تحليل العملية التعليمية وتكوين المدرسين. سلسلة المعرفة للجميع. الرباط

Ø               زنيبر، أحمد. (2007). الوضع اللغوي في الفصل الدراسي بين المؤسسة والممارسة. مجلة الحياة المدرسية. ع.8، أوج فيزيون، الرباط. ص.ص45/47

Ø               الزياتي عز الدين. (2009). ديدكتيك تقنيات التعبير الكتابي والتواصل. دار القلم. الرباط

Ø               عيسى راشد علي. (2004). مهارات التواصل. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. قطر

Ø               الفارابي عبد اللطيف وآخرون. (1994) معجم علوم التربية مصطلحات البيداغوجيا والديدكتيك. سلسلة علوم التربية. ع9/10. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء

Ø               لحويرات محمد وآخرون. (1989) إضواء حول مادة الإنشاء. كراسات تربوية. الدار البيضاء

Ø               مادي لحسن. (2001). تكوين المدرسين نحو بدائل لتطوير الكفايات. منشورات مجلة علوم التربية. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء

-                    الوثائق التربوية

Ø               مديرية المناهج. (1999). الميثاق الوطني للتربية والتكوين. الرباط

Ø               مديرية المناهج. (غشت 2007). التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي. الرباط

Ø               مديرية المناهج. (غشت 2009). البرامج والتوجيهات الخاصة بمادة اللغة الفرنسية بسلك التعليم الثانوي الإعدادي. الرباط

Ø               مديرية المناهج. (غشت 2009). التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بسلك التعليم الثانوي الإعدادي. الرباط

Ø               الوحدة المركزية لتكوين الأطر. (2012). دليل مسلك تأهيل أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي. الرباط

Ø               الوحدة المركزية لتكوين الأطر. (2012). مجزوءة التخطيط. الرباط

-                    المقررات الدراسية

Ø                مجموع المقررات الدراسية الخاصة بالسنوات الأولى والثانية والثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي. (المختار في اللغة العربية، مرشدي في اللغة العربية، الأساسي في اللغة العربية، المرجع في اللغة العربية، المفيد في اللغة العربية)

-                    باللغة الفرنسية

Ø    BESSON ROBERT. )1987. (Pratique de la communication écrite. Édition Castella. Paris.

Ø    DE KETELE , J.M. (1996). L’évaluation des acquis scolaires : quoi ? pourquoi ? pour quoi ? Revue Tunisienne des sciences de l’éducation , 23

Ø     PEYROUTET CLAUDE. )1991(. La pratique de l’expression écrite. Nathan.

 

تعديل المشاركة
author-img

أحـمـد زنـيـبـر

أكاديمي وناقد أدبي، أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. رئيس فريق البحث "الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية". عضو اتحاد كتاب المغرب وناشط جمعوي. له مؤلفات فردية وجماعية...
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق