U3F1ZWV6ZTkyMzU4Njc2MzA1NjBfRnJlZTU4MjY3ODM5MzQ1ODI=

التّاريخُ واسْتِدعاءُ الذّاكِرة في رِوايَة "مَجْهول الحال" لسَعيد بنْسَعيد العَلوي

تُعرف الرواية بكونها جنسا إبداعيا يمتد في أشكال تعبيرية مختلفة، مثل الشعر والقصة والسيرة وغيرها، كما تُعرف بانفتاحها على فنون الفرجة كالمسرح والسينما؛ بل وبكل ما يمت بصلة للكتابة الأدبية والإبداعية. وقد شهدت، في السنوات الأخيرة، حركية منقطعة النظير من خلال عدد الإصدارات والندوات واللقاءات التي خُصّصت لها، في منابر إعلامية وثقافية، هنا وهناك. ولعل انشغال الباحثين والمهتمين بتحليل العمل الأدبي/ الروائي، بمناهج نقدية متباينة، يعكس صورة تقريبية عن التوجه النقدي العام الذي يترصد موضوع البحث في القضايا والمضامين تارة، أو يبحث في موضوع أدبية الكتابة تارة أخرى، أكثر مما يبحث في الأدب. ذلك أن "موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب وإنما "الأدبية"، أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا"[1].  

في هذا السياق التعبيري المنفتح، يواصل المُفكر والرّوائي سَعيد بنْسَعيد العَلوي، شغفه بالكتابة، من خلال إصداره لمجموعة من الأبحاث والدراسات ذات الصلة بالفكر والفلسفة والتاريخ، ولعدد من الأعمال الروائية التي حققت رواجًا قِرائيًّا وتداولا نقديا ملحوظين، في الساحة الثقافية المغربية والعربية.

ولأن مجال الكتابة، بمفهومها الشامل، عند سَعيد بنْسَعيد العَلوي، لم ينحصر في الانشغال بما هو بحثي وفكريّ محض؛ فقد انصرف مُحلّقًا إلى عالم الأدب وامتداداته، من خلال الحكْيِ الطويل الذي شكّل مشغله الثاني، زاوج فيه بين مادة فكريةٍ تقومُ على العقل والبرهان، وبين مادة إبداعية تستند إلى الحرية والتخييل، مع ما يستلزم ذلك من انفتاح على مختلف الأجناس التعبيرية الأخرى المجاورة.

ولعل العودة إلى الأدَب، في قدرته على مواجهة التاريخ المحكيّ، هو ما دفع بِسَعيد بنْسَعيد العَلوي إلى البحث عن منطقة وُسطى، تختزل جوابًا عن سؤال: كيف يتمُّ تحويل مادّةٍ تاريخية إلى مادّةٍ روائية؟ وهو ما يقتضي جوابا يعكس جهدا مضاعفًا في القراءة والتمحيص وترويض الذاكرة، حتى بلوغ غاية التخييل وما يستلزمُه من عناصرَ ومكوناتٍ، تشكل أسّ البناء الروائيّ عامّة. ذلك أن كتابة الرّواية لا تكون من أجل الرواية فحسب؛ وإنما لتسجيل موقف أو تنبيهٍ على أمر، أو دعوةٍ لإدانة واحتجاج أو غيرِ ذلك، مما يضفي على العمل مشروعية مزدوجة، واقعية ومتخيلة، تجعل القارئَ أكثرَ قُربًا من تاريخِ المرحلة، وأكثرَ وعْيًا بأحداثِها وشخوصِها وموضوعاتها وأفكارها.  

بهذا الأفقِ الإبْداعِيّ الرّحب، أمكن تقديم قراءات في منجزه الروائي السابق: بدءا ب"مسك الليْل 2010"، "الخديعة 2011"، "ثورة المريدين"، ومرورا ب"سبع ليال وثمانية أيام 2017" ووصولا إلى "حبس قارة 2020". ولعل أول ملاحظة يمكن تسجيلها هنا تتعلق باحتفاء الكاتب بالعناوين، من حيث انتقاء اللفظ المناسب ليعضد المعنى المناسب. فأما من جهة العناوين، الآنفة الذكر، فتحيل جميعها إلى بنيتي الزمان والمكان معا، دون إغفال الحضور البارز للشخصية الروائية داخلها. أما من جهة العوالم السردية، فثمة موضوعات مجتمعية متنوعة وقضايا فكرية مختلفة منها: (الفقه السياسي، التطرف الديني، الربيع العربي، الأدب الرّحلي، وما إليها). يشكل كل عنوان عالما من الأسرار والمعاني الصريحة والمضمرة، في آن. إنها عناوين مغرية للقارئ كي يواصل عبرها القراءة ويمضي في سبر أغوار النص الروائي المقترح، في انفتاحه على أجناس تعبيرية مختلفة.

هكذا، حين يستند سَعيد بنْسَعيد العَلوي إلى التاريخ في كتابةِ الرّواية مثلا، فهو لا يعيد كتابة التاريخ أو إعادة الإخبار عنه كما هو في الواقع؛ بل إنه يبتغي إلى جانب ذلك، إعادةَ إحياءِ اللّحظة بنفض الغبار عن بعض تفاصيلها الخفية، بشكلٍ يمنحُ النصّ الأدبي/الروائيّ معنًى آخر، يستجيبُ للرؤية الإبداعية للكاتب، وبالتالي بلوغ الدهشة الجمالية.

وارتباطا بالمسار الإبداعي لسعيد بنسعيد العلوي وانضباطا لاختياره الروائي، تروم المداخلة تقديم قراءة أولية في روايته الجديدة: "مجهول الحال"[2]، من خلال مقاربة تستدعي بنيتها السردية الكبرى، وتنبش في المناطق الخفيّة واللامرئية في محكيّها التاريخي، بما يسهم في استجلاء جمالية النص ورصد الرؤية الفنية التي يرومها الكاتب، بناء ودلالة.

ولعل أول عتبة نصية تطالعنا، في "مجهول الحال"، تتعلق باختيار العنوان وتركيبيته، فهو عنوان مركب من لفظتين، كتبت الأولى بلون أحمر والثانية بلون أبيض. وبين استعمال اللونين، الأحمر والأبيض، مساحات كبرى للتأويل والتفسير، منها القوة والغضب والإثارة والخطر والحرب والدم والموت.. مع دلالة اللون الأحمر. ومنها الصفاء والنقاء والسلم والبراءة والأمل والضياء والأشباح والكفن.. مع دلالة اللون الأبيض. وهي بعض من معانٍ كثيرة، لا يمكن الحسم فيها سوى بقراءةِ العمل، وربطها بسيرورة الأحداث وعلاقتها بالمواقف والشخصيات.

أما صورة الغلاف فتأخذنا، هي الأخرى، إلى تأويلات مفادها رجل جالس أو مُقعد، يخفي ملامحه اضطرارا أو اختيارا. وبين التأويلين افتراض شخصية لعل الرواية تسعى إلى كشفها والتعريف بها، من خلال محكيّ التاريخ والذاكرة والاسترجاع.

هكذا يبدو العنوان عنوانا مغريا يفتح شهية المتلقي للتعرّف إلى هُوية هذا الشخص (المجهول). ولأن ما كلُّ شيء يقال في عتبة العنوان، يمكن أن نلج باقي العتبات، باعتبارها تقنية اعتمدها الكاتب لتوجّه القارئ، بشكل ضمني، وتحيله إلى بعض مقاصد الرواية. والظاهر أن هذه العتبات النصية تستمد مرجعيتها من حقول معرفية متعددة (فكرية، فلسفية، صوفية وشعرية)، تشكل في النهاية، جانبا من ثقافة المؤلف.

نذكر، في سياق العتبات المرافقة للرواية، ما أطلق عليه اسم الاستهلال والانصراف. جاء في الاستهلال: "أجال سليمان الهبطي بصره في الرجال الثلاثة الواقفين، متباعدين، أمام الطاولة العريضة التي يجلس عليها. تبرم واستعلاء معًا يشعان من النظرة الشزراء التي ينظر إليهم بها. مسحتِ النظرةُ القاسية الرجالَ الثلاثة مرة أولى، فثانية ثم ثالثة سلّطها على كل منهم من أسفلَ إلى أعلى."[3] وفيه نتعرف إلى اسم أولى الشخصيات في الرواية (سليمان الهبطي، بوصفه عميد شرطة سابق) كما نتبين سبب غضبه العارم من رجاله الثلاثة (علي، عثمان، والميلودي) إثر اختفاء أحد المعتقلين وانقطاع أخباره.

يقول السارد على لسان العميد: "لا شيء، لا أحد يعلم شيئا. ظلام في ظلام. أرى الجنرال يقول لي: بلكنته الغرباوية وصوتِه الأجش: ما شاء الله، ما شاء الله، لا أحد يعلم. لا أحد؟ مجهول الحال؟ لا هو ميت ولا هو حي يرزق."[4] وهنا نصادف أول توظيف للعنوان في الاستهلال، وبه نكون قاب قوسين أو أدنى من عالم الرواية المرهون بالشخصية الرئيسة (مجهول الحال). فالشخصية في العمل الأدبي "تعد بالإضافة إلى كونها وحدة مركبة، وحدة مكونة، تتحد أساسا من خلال علاقتها بقاموس يعود إلى شخصية/ نمط أكثر عمومية، يمكن تحديدها كعامل، وهو ما يشكل المستوى العميق للتحليل."[5]

وبين تقنيتي الاستهلال والانصراف، ثلاثةَ عشرَ فصلا مليئة بالأحداث والوقائع والحالات والمواقف. لعل أبرز هذه الأحداث ما ارتبط بجوانب الصراع الإيديولوجي والسياسي في المغرب زمن السبعينيات من القرن الماضي. يتعلق الأمر بثورة "مولاي بوعزة" المسلحة، وما تعرض له العديد من قادتها والمشاركين فيها من سجن وتعذيب، فيما اختار البعض الآخر اللجوء إلى المنافي الأوربية. ولا شك أن استفادة الكاتب من التاريخ واستعداءه للذاكرة كان مرده تمرير بعض الآراء والمواقف بخصوص مجمل الأحداث. 

غير أن الكاتب، في هذه الرواية، لم يتقصد سرد جميع التفاصيل والجزئيات كما جرت في الماضي البعيد (1973)؛ بل اكتفى، روائيا، بجرد بعض الإحالات الضمنية إلى ما حدث، دون الغوص فيها، ومنها استعراضه لأنواع التعذيب والتنكيل الذي مورس على مناضلي تلك الحقبة، أو ذكره لجملة من المحاكمات التي مرّ منها هؤلاء، أو وصفه لعدد من الفضاءات المرعبة التي عاشوا فيها ردحا من الزمن، مثلا. وهي تجربة لا شك تظهر مرارتها في عمليات الوصف والرصد الذي يجعل منها بؤرة للحكي. ومن ثمة، "إذا كان النص السردي في كليته برنامجا سرديا تاما، فإنه قد يحتوي على سلسلة من البرامج السردية مرتبطة إما بضرورة تكرار التجربة الواحدة مرات متعددة. فالحصول على الموضوع الواحد يستدعي سبلا ووسائل متنوعة يحكمها برنامج أصلي، وإما مرتبطة بتعدد الموضوعات الاستعمالية المؤدية إلى الحصول على موضوع قيمة واحد."[6]

لأجل ذلك، وتبعا للبرنامج السردي الذي اعتمده الكاتب في الرواية، وحتى لا يقع في رتابة الوصف والتقريرية المباشرة، ارتأى الوقوف عند لحظة زمنية ترصد عودة البطل إلى بلده بعد أربعين سنة من الغياب، وما تستدعيه اللحظة المستعادة من استرجاع حكائي تُختَزل فيه المسافات في كلمات. وهو الأمر الذي أكسب الرواية بعدا تخييلا يقتفي مشاعر الشخصيات المتحدث عنها، من خلال رسم معالمها الخفية في تفاعلاتها وانشدادها إلى مختلف الأحداث. ولعل الحديث عن مكون الشخصيات لا ينفصل عن باقي المكونات السردية الأخرى، من قبيل المكان والزمان والحدث واللغة وغيرها. ومن ثمة، لجأ الكاتب، حين أراد تقريب القارئ من شخصياته الرواية، إلى تقنية الوصف بما هو "خطاب يسم كل ما هو موجود، فيعطيه تميزه الخاص وتفرده داخل نسق الموجودات المشابهة له أو المختلفة عنه."[7]

تأسيسا على ما سبق، يلاحظ أن الخطة السردية التي انتهجها الكاتب سعيد بنسعيد العلوي في بناء الرواية، استندت إلى تقنية مهمة تعتمد التناوب في الحكي بين السّارد وشخصياته الثلاث، وهم: سليمان الهبطي ومحمد رضا الهواري ومجهول الحال. فقد تم الالتزام بعنصر الافتتاح والتمهيد للفصول، دون إغفال الظهور في باقي العتبات الأخرى المتمثلة في تلكم الاقتباسات والمحاورات مع سيرفانتيس وهوميروس وإيراسموس، باعتبارها علامات على تداخل السردي بالفكري أو بوصفها رموزا مؤسسة للمتخيّل الأدبي.

إنها عتبات لا تَخْلُ من أهمّيةٍ في تكوينِ فكرةٍ عن حالات الشخصيات ومواقفها. جاء في ختام الرواية: '' قال السّارد: كتب المصنف في الورقة الأخيرة -تذييلا على ما جمعه في مصنفه من الفرائد والفوائد، الآن عقلي حرّ وصاف لا تشوبه ظلال الجهل الداكنة التي أسدلتها عليه قراءتي المتواصلة لكتب الفروسية الكريهة، لقد صرت أعرف حماقاتها وخداعها، ولا يحزنني إلا أن هذه الصحوة جاءت متأخرة بحيث لا تسمح لي بأن أعوّضَ قليلا مما فاتني بقراءة كتب أخرى تكون نورا للروح."[8]

هكذا يتناوب الرّواة الثلاثة في سرد المسارات الخاصة بهم، تفاعلا وانفعالا. وقد كان أول هؤلاء، سليمان الهبطي، ضابط وعميد شرطة سابق ذاق مرارة الخوف والفشل والإذلال، سواء زمن مسؤوليته حيث اجتهد في قمع المناضلين والتضييق عليهم، أم فترة تقاعده حيث الإصابة بالشلل والتنقل فوق كرسيّ متحرك. بدت هذه الشخصية، من خلال ما رُصِد لها من مساحة زمنية للتذكر، متقلبة الأطوار، بين حياةٍ تنغصها كوابيس الماضي المهني، وحياةٍ يدمّرها الحاضر الصّحي؛ بل إن عائلته لم تسلم أيضا من لعنة الزمن، ابنه وزوجته. لنكون أمام شخصية منهارة تعبر عن الخيبة التي أفقدته شهيّة الحياة الطبيعية.

يقول السارد على لسان الهبطي: "نومك يا سليمان رعب متصل ويقظتك عذاب ملؤه ذكريات الهزيمة والإهانة وقد تلونت بألف لون ولون. الإهانة وقد التصقت بالهزيمة، انتقشت في باطنك وشما قبيحا. وشم لا ينمحي. يطل شريط الإهانات والهزائم برأسه فيأبى إلا أن يعمل في الجرح الغائر نصلا يغرزه.. جرح يستعصي على الالتئام."[9]

أما محمد رضا الهواري، ثاني الرواة الثلاثة، فيحيا حياة تقوم على استدعاء الذاكرة واسترجاع ماضي النضال والاعتقال. فهو على خلاف شخصية سليمان، يرتاح بالتذكر وبالحوارات التي تدور بينه وبين صديقيه المقربين (الأستاذ البشيري ومصطفى القلعي) أو مع التهامي (نادل المقهى). إنها حوارات تستلهم الطفولة وفترة الاعتقال والأوهام الكبيرة.

يقول السارد على لسان الهواري: "أول العد 1973 رقم انتقش في الذاكرة وشما قبيحا، لا ينمحي. دمّل استقر في الوجدان. جرح حفر في النفس أخاديد عميقة. وكما كان الناس في الماضي يتحدثون عن عام الجُدَري، وعام الجوع، وعام البون، يصح الحديث اليوم عن عام مولاي بوعزة. مولاي بوعزة نار تستعر في القلب، كلما توهمت أنها ستخبو كلما وجدت أنها تزداد تأججا."[10]

ومع انشداد السرد إلى سلطة الذاكرة، وانغماسه في ما تختزنه من أحداث ووقائع، ينتقل الراوي في فصول أخرى (7-9-11-13) إلى سرد مذكرات مناضل يُدعى حامد بن علي، ومنها الحكي المتصل بامتهان التدريس وما أتاح له من إمكانات بناء التنظيم بمنطقة خنيفرة تهييئا لأحداث مولاي بوعزة. يقول السارد: "حامد بن علي... أكثر الثلاثة وضوحا، وبساطة في القول والفعل معا، سيكون أكثر الثلاثة اجترارا للخيبة والألم. لأنه، بالتأكيد، كان الأكثر صدقا، ووضوحا مع الذات في الطريق الوحيد الذي كان يرى سلوكه أمرا طبيعيا، سبيلا لا سبيل آخر غيره."[11]

أما الشخصية الثالثة التي استأثرت بالحكي، خلال مسار الرواية، فهي التي أشير إليها باسم مجهول الحال والأمير الأحمر وخِلّ الثريا. شخصية تعود إلى أرض الوطن بعد اغتراب قسري طويل في فرنسا، بحكم انتمائه إلى تنظيم سياسي ثوري، يوم كان شابا، وتشبعِه بأفكار الزعيم المخلص. وبالرغم من عودته وحريته صار سجين الذكريات كالآخرين، في بيت العائلة والمقبرة وصورة الأم والطفل الذي كان، قبل أن يعود إلى ثريا حبيبته فيعلم أنها تزوجت من الميلودي الهبطي. هكذا كلما امتلأ مجهول الحال بالذكريات الأليمة تساءل: "هل أنا الآن داخل المرآة أم إنني خارجها؟".

هكذا، بعد سلسلة من التداعيات السردية داخل الرواية، نكون أمام شخوص معطوبة قَدّمت بالتناوب، ما علق بها من ذكريات كشفت عن تفاصيلها، تارة في فرح واستلذاذ، وتارة في ألم وحسرة مضاعفة، ماضيا وحاضرا، مثلما الأمر مع سليمان الهبطي الذي انساق وراء طلبات الجنرال طمعا في حظوة لم ينلها.

ولما كانت بنية المكان شديدة الارتباط بشخصيات الرواية، (مقهى غاليريا بالمغرب، ومقهى موفتار بفرنسا، وبيت العائلة)، فقد تم استعراض مختلف الفضاءات المغربية والأجنبية، باعتبارها مسرحا للأحداث من جهة، وباعتبارها انعكاسا لهوية الشخصيات وحالتها النفسية، من جهة ثانية. وتبعا لأهمية عنصر المكان في الرواية، فهو يأخذ أحيازا متنوعة ويكتسي أبعادا تشكيلية تجعل العين الرائية تستجيب له عبر المشاهدة والملاحظة. وبهذا المعنى "يتحول المكان إلى بعد جمالي من أبعاد النص السردي، لما يمنحه من إمكانية الغوص في أعماق البنية الخفية والمتخفية في أحشاء النص وأجوائه ورصد تفاعلاته وتناقضاته."[12] ونتيجة للوصف البصري الدقيق الذي خصه الكاتب لهذا المكون السردي والرصد العميق لما جرى فيه سابقا، تشكل الوعي الكتابي لدى الكاتب، كما أن هوية المكان صارت جزءا من هوية الإنسان. 

بهذا المعنى السردي المتخيّل، احتفت الرواية بتجارب إنسانية مختلفة في حياة واحدة، المشترك بينها فشل ذريع وخيبة أمل ممتدة في الزمان وفي المكان، قائمة على ثنائيات مختلفة: الأنا والآخر، المعرفة والجهل، والوفاء والخيانة. لكن الكاتب حين راهن على توظيف التاريخ والذاكرة، في صلتهما بالطفولة والجسد والمعاناة، داخل الرواية؛ فإن رهانه أساسا، استشرف من خلال عملية الاسترجاع قراءة الماضي بعين الحاضر، ومراجعةَ بعض الأفكار المتصلة بأحداث الرواية، منها فكرة الزعيم مثلا.

يمكن لفت الانتباه أيضا، في سياق تتبع الأحداث ومجرياتها والإنصات إلى هموم الشخصيات ومساراتها، إلى امتزاج الأسلوب السردي بالوصف المشهدي والانسياب الإيقاعي، ناهيك عن التناصّات المضمرة مع الفكر والفلسفة والأسطورة والشعر والغناء وكلِّ ما يضفي على المحكيّ دلالات أكثر انفتاحا.

يقول السارد: "وكما ينبعث طائر الفينق من جوف الرماد، وكما يخترق رجع الصدى صمت الليل البهيم يبلغ سمعي رنين صوتك العذب.. شفتاك ترتجفان وأنت ترتجفين.. أنا قطرة سيأتي عليها المساء فتمسي كأن لم تمر على مسمعي. يرجع الصدى آهة معشوقتك المغنية التونسية.. "أنا شبح راكض مسرع الزمان". كلانا كذلك يا ثريا. آه، ثريا."[13] كما ينضاف إلى مسارات السرد المرتبطة بالشخصيات التنويع الحاصل على مستوى اللغة المستعملة، بين فصيح وشعبي وفلسفي وصوفي تعكس طبيعة الشخصيات وثقافتهم.   

            حين يزاوج سَعيد بنْسَعيد العَلوي في مجال الكتابة، بين الفكري والإبداعي؛ فليس من قبيل المغامرة أو المجازفة، ذلك أنّ ما يجمع بين الحقلين هو أكثر مما يفرّق. كما أن هذا المنْزَع الكِتابيّ المزدوج، يقدم معرفة، لا تخلو من إمتاع ومؤانسة. ومن ثمة، فقد تجِدُه يستدعي في مخبره العلمي، كل ما يسعِفُه من نظرياتٍ فلسفية ومناهجَ تحليلية، مثلما تجِدُه يستدعي في مشتله الرّوائي، كلّ الصور والمجازات والأخيلة مع ما يلزم من تطويع اللغة والارتقاء ببنية السّرد. وبذلك تذوب صفة المؤرخ في تلابيب الأدب، وصفًا وحوارًا، ومشاهدَ ورؤًى مُتقاطِعة.

إنه، بعبارة، جنوح إلى معنًى لا يركن الى الفكر الوحيدِ والأوْحَد؛ بل يراهن على حرية التفكير وجمال التخييل. فالاشتغالُ باللغة مثلا، ظلّ مُسايرًا لطبيعةِ النصّ وشخصياتِه (المهدي بن تومرت وابن بطوطة والصّفار وغيرهم نماذج). كما أنّ العودة إلى الموضوعات المركّبة، التي تعنى بطرح أسئلة الفكر والوجود ضاعف حظوظ التلقي والتأويل بأنواعه. فلم ينحصر الهمّ في التوثيق التاريخي أو التصوير المباشر؛ وإنما في الالتقاط النبيه للتفاصيل والجزئيات.

أما عن البناء الفني لهذه الرّواية أو تلك، فإن الكاتب لم يلتزم حرفيّا بنمطيتها التقليدية المعهودة في الروايات الكلاسية؛ بل عمد إلى تكسيرها وتجديدها بإضفاء عناصرَ مساعدة كالرمز والأسطورة والأمثال والأغنية. كما لم يفرّط في سلامة التعبير، وجودة التّصوير، وتوالي السّرد أو تقطيعه، انسجاما مع المقام ولحظة الكتابة، أكانت هذه اللحظة في الماضي أم الحاضر أم المستقبل.

هما عينانِ إذن. عينٌ على الفِكر وأخرى على الأدَب. بهما تشكّل مسارُ الكاتب سَعيد بنْسَعيد العَلوي. فقد راوحَ في منجزِهِ بين "الفكر" بأبعادِه المعرفية والنظرية التّأملية، وبين "الرواية" في شقِّها الإبداعي التخيُّلي، المنفتح على عوالم ومرجعيات مختلفة.

هكذا ترتسم صورة الكاتب، مفكرًا وأديبا مبدعا، من خلال ما قدّمه من أبحاث، لم تخلُ من تأمّل فلسفي، ولم تحِدْ عن سؤال وجودِيّ، يقتضيان معا توظيفَ العقل واستدعاء التحليل، العلميّ منه والمنهجي، أو ما نسَجه من نصوص روائية، استُثمِرت خلالها إحالات دينية وتاريخية وسياسية، إضافة إلى تناصّ أدبي وشعري، أبانَ عن وعيٍ كتابِيٍّ يجمع بين المُتْعة والفائِدَة.[14]

تلك بعض صور من جماليات الكتابة عند سعيد بنسعيد العلوي، وبيان لبعض مظاهر استدعائه للتاريخ والذاكرة، الأمر الذي يعكس رحابة النص الروائي "مجهول الحال" ويجعله نصّا قابلا لتعدد المداخل والقراءات، استنادا إلى ما تضمنّهُ من تعدّدِيّة في الخلفيّات والمرجِعيّات.

                             +++++++++++++++++++

* قدمت هذه الدراسة في ندوة علمية دولية، بعنوان: الأدب والفنون في ضوء النقد المعاصر. في كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. 2025

مصادر ومراجع

-      أحمد زنيبر. جمالية المكان في قصص إدريس الخوري. دار التوحيدي. الرباط 2009.

-      أحمد زنيبر. عين على الفكر وأخرى على الأدب. ضمن كتاب جماعي "سعيد بنسعيد العلوي من نبع الفلسفة إلى ضفاف الرواية" إعداد وتنسيق أحمد زنيبر وعبد الإله التهاني. منشورات مؤسسة أصيلة. 2023.

-      سعيد بنسعيد العلوي. مجهول الحال. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء 2024

-      سعيد بنكراد. مدخل إلى السيميائيات السردية. تانسيفت مراكش. 1981.

-      سيزا قاسم. بناء الرواية. دار التنوير 1985.

-      عبد العالي بوطيب. الرواية المغربية من التأسيس إلى التجريب. كلية الآداب مكناس 2010.

-      عبد اللطيف محفوظ. وظيفة الوصف في الرواية. دار اليسر. الدار البيضاء 1989.    

-      فيليب هامون. سيميولوجية الشخصيات الروائية. ترجمة سعيد بنكراد. دار الحوار. سوريان 2013.

-      مجموعة من المؤلفين. نظرية المهج الشكلي. نصوص الشكلانيين الروس. ترجمة إبراهيم الخطيب. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. الرباط 1982.

-      محمد الدغمومي. الرواية والتغيير الاجتماعي. أفريقيا الشرق 1991.

يمنى العيد. الراوي: الموقع والشكل. مؤسسة الأبحاث العربية. لبنان 1986



[1] - رومان جاكوبسون. نقلا عن نظرية المنهج الشكلي. نصوص الشكلانيين الروس. ترجمة إبراهيم الخطيب. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. الرباط 1982. ص35   

[2] - سعيد بنسعيد العلوي. مجهول الحال. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء 2024

[3] - مجهول الحال. ص7

[4] - مجهول الحال. ص 14 

[5] - فيليب هامون. سيميولوجية الشخصيات الروائية. ترجمة سعيد بنكراد. دار الحوار. سوريان 2013. ص51

[6] - سعيد بنكراد. مدخل إلى السيميائيات السردية. تانسيفت مراكش. 1981. ص69   

[7] - عبد اللطيف محفوظ. وظيفة الوصف في الرواية. دار اليسر. الدار البيضاء 1989. ص6   

[8] - مجهول الحال. ص 208

[9] - مجهول الحال. ص 53  

[10] - مجهول الحال. ص 28   

[11] - مجهول الحال. ص 189   

[12] - أحمد زنيبر. جمالية المكان في قصص إدريس الخوري. دار التوحيدي. الرباط 2009. ص21

[13] - مجهول الحال. ص151

[14] - أحمد زنيبر. عين على الفكر وأخرى على الأدب. ضمن كتاب جماعي "سعيد بنسعيد العلوي من نبع الفلسفة إلى ضفاف الرواية" إعداد وتنسيق أحمد زنيبر وعبد الإله التهاني. منشورات مؤسسة أصيلة. 2023. ص309   

تعديل المشاركة
author-img

أحـمـد زنـيـبـر

أكاديمي وناقد أدبي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. رئيس فريق البحث "الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية". عضو اتحاد كتاب المغرب وناشط جمعوي. له مؤلفات فردية وجماعيةمتعددة...
تعليقات
تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. دمت مبدعا متألقا السي زنيبر

    ردحذف
  2. قراءة نقدية ماتعة رصينة تجعل متلقيها متلهفا لقراءة الرواية.
    بمزيد من التألق والعطاء النقدي المتميز أستاذي العزيز الدكتور أحمد زنيبر.

    ردحذف

إرسال تعليق