تمثل اللغة العربية إحدى اللغات الإنسانية
التي تعزز حضورها التاريخي وامتدادها الجغرافي استنادا إلى ذاكرة جماعية وهوية
حضارية. فهي ليست مجرد وسيلة أو أداة للتواصل بين الأنا والآخر فقط؛ وإنما تضطلع
بمهمة تحصين تجارب الأمم وتسهم في بناء وعيها الجماعي، مفهوما وممارسة. فهي تعكس
التجارب التاريخية للأمم، وتُسهم في بناء وعيها الثقافي، وتضفي على تعبيراتها مسحة
من الأدبية والجمال.
ومن ثمة، يمكن أن نتحدث عن اللغة العربية
باعتبارها ذاكرة من جهة، وباعتبارها هوية تعبيرية، من جهة ثانية، وذلك من خلال
ربطها بالسياقات التواصلية والمعرفية والجمالية المختلفة. وللاقتراب أكثر من
الموضوع ننطلق من أسئلة محورية تنتظم في ما يلي:
أولا: ما المقصود بالذاكرة؟ وما معنى أن تكون
اللغة ذاكرة؟ سؤالان يقتضيان استحضار العلاقة الجدلية بين اللفظتين (الذاكرة
واللغة). فإذا كانت الذاكرة من معانيها العامة القدرة على تخزين المعارف
والمعلومات أو الاحتفاظ بالتجارب والخبرات من أجل استرجاعها واستدعائها عند
الاقتضاء؛ فإن حصر مجالها يتعدى ما هو بيولوجي وظيفي أو ثقافي اجتماعي (قيم ورموز
جماعة ما) إلى ما هو رمزي حضاري (معاني ودلالات). كما أن مقاربة الموضوع لا ينبغي
أن يُختزل في زاوية تعليمية ترى في اللغة مجرد وعاء يحتوي عددا من المفردات
والكلمات ومن التعابير المتفاوتة بنية ودلالة؛ وإنما خزان خبرات ومعارف ورموز
وصور، أيضا. فكل كلمة من الكلمات العربية تتضمن في وحدتها المعجمية والتعبيرية بعض
الآثار من التاريخ العربي الإسلامي، وتحتضن، بالتالي أنماطا من القيم والعيش
وألوانا من التفكير والتأمل. ولنا في التراث الشفهي والمكتوب للمجتمعات ما يحيل
إلى ذاكرة ثقافية وحضارية ملموسة.
ولنستحضر لفظة "ديوان"، ذات البعد
التاريخي العريق، حين انتقل مدلولها من معنى إداري (ديوان الدولة) إلى معنى أدبي
رصد بعض التحولات التي لحقت بالفكر والمجتمع، مجسدا مثلا، في التعبير التراثي
القديم (الشعر ديوان العرب). فالمعلقات السبع أو العشر المنتسبة إلى العصر الجاهلي
تتضمن كثيرا من المعلومات التاريخية والأدبية، وتشمل عددا من الظواهر والقضايا
والطقوس والعادات التي تعكس عمق الحضارة العربية في تلك الفترة من تاريخ الأدب
العربي. وهو المعطى الذي يبرر عملية التحول التي لحقت بالذاكرة الثقافية، من حيث
انتقالها من البعد الوظيفي إلى البعد التربوي الجمالي. فهو (أي الشعر) ذاكرة
جماعية حفظت أنساب العرب وسجلت أيامهم وحروبهم وخلدت حكمهم ومواقفهم، قبل ظهور
التدوين، ويسر فهم لغتهم وتذوق ما فيها من سحر وشاعرية.
ارتباطا بالمجال التربوية والتعليمي، تصادفنا
بعض ألفاظ مرتبطة بعالم الصحراء من قبيل: الناقة والخيل والمها والأسد، أو السراب
والليل والقَفْر والماء والنبع، وغيرها إذ تحيل مباشرة إلى ذاكرة لها ارتباط بمجال
البيئة والوسط الجغرافي عامة. كما تصادفنا ألفاظ لها صلة بالنسيب كالوجه والخد
والعين، وغيرها حيث تحيل إلى ذاكرة لها ارتباط، هذه المرة، بغرض شعري هو الغزل،
بما يجسده من عناية أدبية وإنسانية بعوالم المرأة العربية.
وبين هذه اللفظة أو تلك، تطالعنا صفات مثل
الكرم، الشجاعة، البطولة والوفاء باعتبارها نظاما قيميا، أكثر منها أوصافا جمالية،
احتكم إليها الشاعر العربي في نظرته للذات وللقبيلة والممدوح. وهو ما قد نلاحظه في
أعمال بعض الكتاب والمبدعين الذين استثمروا دلالاتها الرمزية والشعرية، بأشكال
متفاوتة، في الخطاب الأدبي الحديث، وأدرجت بعض نماذجها في المقررات الدراسية.
كما أن قراءة بانورامية سريعة لأشعار
الجاهليين أمثال امرؤ القيس، النابغة الذبياني، عنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى
وغيرِهم، تُطلع القارئ/ المتعلم على سمات كثيرة مما يميز العصر الجاهلي في مناح
كثيرة من مناحي الحياة الاجتماعية والشعرية، مثلما تُطلعه أيضا على التحولات
الاجتماعية التي عرفها المجتمع الإسلامي حين يقرأ نصوص الشعراء من قبيل حسان بن
ثابت وكعب بن زهير والخنساء ومن حذا حذوهم في تضمين القصائد شيئا من روح العصر
وأحوال المجتمع.
وهي حركية أدبية استمرت بنفس الوتيرة حتى
العصرين الأموي والعباسي، ثم العصر الأندلسي فالحضور، من خلال نماذج كثيرة ضاعفت
من رصيد الذاكرة الجماعية، وارتقت بها من ذاكرة معجمية إلى ذاكرة ثقافية وأدبية
وتربوية إبداعية.
ثانيا: ما هو مفهوم الهوية؟ وما معنى أن نربط
بين اللغة والهوية؟ إذا كانت الهوية لغويا هي الجوهر وعين الشيء وحقيقته، أو
بتعبير آخر، أن الشيء أو الشخص هو هو؛ فإنها في الاصطلاح المتداول بنية مركبة من
الصفات الشخصية والملامح الثقافية والاجتماعية التي تشكل عوالم فرد أو مجتمع ما.
فالهوية، اختصارا، وعي الذات بذاتها، وهي متنوعة بتنوع الأفراد والجماعات ومتعددة
بتعدد الثقافات والحضارات.
أما عن سؤال ربط اللغة بالهوية فسؤال يقودنا
رأسا إلى ما تزخر به، هذه اللغة، من سمات ثقافية وحضارية ووطنية يجعلها ركنا من
أركان الهوية، ليست الهوية اللغوية فحسب؛ بل تلك الهوية المرتبطة بالقيم الإنسانية
والجمالية، التي تميز الذات الفردية والجماعية على حد سواء.
استنادا إلى هذا البعد الهوياتي للغة، يمكن أن
نستحضر مكانتها المرموقة في دستور المملكة المغربية، إلى جانب الأمازيغية، وكذا
حضورها في الخطاب الإعلامي والسياسي، عبر نشرات الأخبار واللقاءات الرسمية، وفي
الخطاب التربوي والأدبي، عبر ما ينشر من أعمال فكرية وإبداعية وبيداغوجية. فقد
حافظ الأدباء والشعراء، مثلا، على هوية اللغة العربية أثناء انفتاحهم على التجديد
والتجريب في أعمالهم المختلفة. وتبعا لذلك، لا نعدم أن نجد توظيفا للتراث القرآني
والبلاغي والمعجمي داخل صيغ تعبيرية حداثية مختلفة. وهذا الاستعمال العربي في
الخطابات الإعلامية والتربوية والأدبية، يعد، في حد ذاته، فعلا هويّاتيًا.
ثالثا: ما معنى أن تكون اللغة هوية تعبيرية؟
وهو سؤال يروم التأكيد على أن الهوية اللغوية لا تكتمل سوى بقدرتها على التعبير
الجمالي والرمزي. فما تملكه اللغة العربية من إمكانيات لا محدودة من التراكيب
والتعبيرات والانزياحات، تؤكد غنى المعجم ومرونة التركيب وانسيابية الإيقاع، مثلما
نجد في أبيات من قصيدة شهيرة لأبي الطيب المتنبي:
|
أنا
الذي نظر الأعمى إلى أدبي |
|
وأسمعت
كلماتي من به صمم |
بما يتضمنه من استعارات بليغة ومحسنات بديعية.
فثمة إشارات إلى هوية الشاعر وإلى شخصيته البطولية في ارتباطها بالزمان والمكان،
مع ما يستتبع ذلك من هوية سمعية جمالية تقودها تفعيلات بحر البسيط وانسيابية
ملحوظة تؤالف في المعنى بين الصوت والدلالة.
أو مثلما نجد في مطلع قصيدة شهيرة لمحمود
درويش بعنوان بطاقة هوية:
سجل أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون ألف
وأطفالي ثمانيةٌ..
وتاسعهم سيأتي بعد صيف..
إلى آخر النص، حيث الإحالة إلى مضامين تتعلق
بقضية مصيرية تتصل بسؤال الكينونة والوجود، من ناحية، وإلى رؤية فنية بلاغية
تستحضر في ثناياها جمالية النغم والإيقاع، من ناحية ثانية. ولعل أجمل تعبير يمكن
أن نستحضره أيضا، في هذا السياق المسنود بروح الهوية، هو بيت لحافظ إبراهيم في وصف
اللغة العربية حين يقول:
|
أنا
البحر في أحشائه الدّر كامن |
|
فهل
سألوا الغواص عن صدفاتي |
هي أمثلة، من بين نماذج كثيرة، تحتضنها نصوص
بعض المقررات الدراسية، بمختلف الأسلاك التعليمية، يتفاعل معها المتعلم بأشكال
تواصلية وديدكتيكية مختلفة.
ولأن البعد الجمالي للغة العربية يمثل أحد
رهاناتها في الصمود والحضور الدائمين؛ فإن استدعاء مساحات التخييل والإبداع يعد
ضرورة ثقافية وحضارية. ذلك أن الوظيفة التواصلية وحدها لا تكفي لبلوغ الدهشة
الجمالية لحظة التعبير عن المشاعر والانفعالات الوجدانية. من ذلك
ما نصادفه مثلا، في الخطاب الصوفي، في نماذجه العليا، حين يستعمل الشاعر ألفاظا من
مدونة اللغة العربية كالحب والهوى، والفناء والكشف والنور والتجلي والحلول وغيرها،
مما يستهدف توظيفه رمزيا، فتختلط الذاكرة الدينية بالهوية الروحية والتعبير
الجمالي. كقول رابعة العدوية:
|
أحِبُكَ
حُبّيْنِ حُبَ الهَـوىٰ |
|
وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل لـِذَاك |
وكما في الشعر العربي نجد نظير ذلك
في النثر العربي، حيث تأخذنا بعض الكتب والذخائر والموسوعات في رحلة ممتعة ومفيدة
إلى عوالم حياتية مختلفة في مجالات الدين والسياسة والفلسفة والأخلاق والتربية
تستعرض بأساليب لا تخلو من تشويق وجاذبية. إنها نصوص وأعمال ينهل أصحابها من
الواقع ومن التراث ومن الخيال أيضا، حيث يستثمرون اللغة العربية لتصوير ما يعرفه
العالم من تحولات تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية، دون أن يفرطوا في الجوانب
التعبيرية الإبداعية، بما فيها اختيار اللفظ وتجويد الصياغة وتوظيف المحسنات
ارتقاء بالمعنى.
لعلنا نذكر، من ذلك على سبيل
التمثيل لا الحصر، سيرة ابن هشام وروايات جرجي زيدان وعبقريات العقاد وحكايات ألف
ليلة وليلة وأمثال ابن المقفع ومقامات الحريري والهمداني، وغيرها من روائع الأدب
والسير العربية التي تحمل في طياتها قيما تربوية وفنية، في آن. والأكيد أننا لا نعدم نماذج تمثيلية توضيحية،
تتجاوز سقف هذه المداخلة.
اختصارا، يعني التعامل مع اللغة العربية،
باعتبارها ذاكرة وهوية تعبيرية، أن نقارب الموضوع في شمولية تتجاوز الرؤية
الأحادية، فاللغة، كما أشرنا في البداية، ليست مجرد وسيلة للتواصل؛ بل هي كيان
ثقافي وجمالي، يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. لذلك، لا محيد عن صونها وحفظ آثارها
بمزيد من العناية والتطوير الذي لا يتحقق بغير استثمار طاقاتها التعبيرية، وتجديد
تواصلاتها بما هو معرفي وجمالي وتربوي.
*/ إحالة: نُشرت المداخلة بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي. الجمعة 27 فبراير 2026. وقد قدمت خلال ندوة فكرية من تنظيم جمعية زوايا بتعاون مع المركز الثقافي إكليل، 15 يناير 2026 بالرباط


إرسال تعليق