قراءة في التحولات الاجتماعية والإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي
تروم هذه الافتتاحية،
الخاصة بموضوع الندوة، تحليل العلاقة القائمة بين الأدب والمعرفة في سياق التحولات
الاجتماعية والإنسانية التي شهدها عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتنطلق من
فرضية تعتبر أن الأدب، بوصفه نسقاً معرفياً، لم يفقد وظيفته في ظل الثورة الرقمية،
بل استطاع إعادة بنائها وتشكيلها ضمن أشكال تعبيرية جديدة تنبني على التفاعل
أساسا. كما تعتمد الافتتاحية مقاربة تقوم على الوصف والتفسير والتحليل والتأويل.
واستنادا إلى نماذج تطبيقية تخلص إلى كون الأدب المعاصر لم يعد مجرد انعكاس
للواقع؛ وإنما غدا أداة نقدية لمساءلة التكنولوجيا وإعادة التفكير في هوية الإنسان
بوصفه كائناً معرفياً ينتمي إلى عالم رقمي متغير.
1-في التمثلات المعرفية
للعلاقة بين الأدب والمعرفة
قد لا يختلف اثنان في كون العلاقة التي جمعت بين
الأدب والمعرفة امتدت لسنوات ضاربة في القدم، سواء على مستوى الظهور الفعلي
أم الحضور النوعي. فقد
كان الأدب، ولا يزال، مصدرا للقيم الإنسانية والجمالية، ومرآة تعكس واقع المجتمع
وأحوال الإنسان، في وضعيات ومواضع مختلفة. غير أنه مع التحولات الرقمية والذكاء
الاصطناعي لم يعد هذا الأدب مجرد وسيط لنقل المعرفة أو عبارة عن نصوص ثابتة
ومتداولة بين عموم القراء والمهتمين؛ بل صار فضاء رحبا يتيح إنتاج المعرفة ويروم
تحليلها بطرق تفاعلية ومبتكرة. ومن ثمة، انتصبت جملة من الأسئلة من بينها مثلا:
ماذا عن التمثلات السابقة التي تأسست عليها العلاقة بين الأدب والمعرفة؟ وما هي
تجلياتها الواقعية في ظل التداخل المستمر بين الإنساني والتقني؟ وبالتالي كيف يمكن أن نقرأ نصا رقميا أو شعرا
تفاعليا عبر الأنترنت؟
حين ارتبطت المعرفة، في بعدها الثقافي
والاجتماعي التواصلي، بعالم الكتب والمكتبات والمدارس والمعاهد، على اختلاف
أنواعها ومرجعياتها، شكل الأدب، في ملامحه الكبرى، وسيطا تعبيريا وأداة رئيسة لنقل
التجارب الإنسانية، علاوة على تعزيز القيم الجمالية المبثوثة في ثنايا التعبيرات
الكتابية المتنوعة. في هذا السياق، يمكن استحضار عدد من النماذج التراثية العربية
القديمة التي رسخت ارتباط الأدب بإنتاج المعرفة الشاملة وبناء الوعي الإنساني، حيث
الجمع بين الفلسفة والتاريخ وعلم النفس والجغرافية، وغيرها مما له صلة بالنسق
المعرفي عامة.
لنتأمل مثلا، كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه عبد
الله بن المقفع، من الفارسية إلى العربية، وما تضمنه من قصص وحكايات متنوعة على
لسان الحيوان اختزلت من الحكمة السياسية والاجتماعية الشيء الكثير. فثمة استحضار
لشخصيات الأسد والأرنب والثعلب والفيل والحمار وابن آوى. وهي حيوانات توزعت بين
الوحشي والأليف، تعمد الكاتب التخفي وراءها، عبر قصص مثيرة وهادفة ليمرر بعض
رسائله التنويرية والتثقيفية إلى متلقيه ممن يهمه الأمر. فقد وجد الكاتب في تقنية
المثَل وسيلة تعبيرية لتوصيل أفكاره وموضوعاته، كالعدل والحرية والتسامح والغنى
والفقر والقوة والضعف والذكاء والغباء. كما يمكن استدعاء جملة من الكتب الموسوعية كالعقد
الفريد لابن عبد ربه والذخيرة لابن بسام والكامل للمبرد ومجمع الأمثال للميداني
وغيرها من الكتب الأدبية والتاريخية، بالنظر إلى ما اشتملت عليه من معارف مختلفة
توزعت بين الأشعار والأخبار والروايات، دون أن نغفل استحضار الدواوين الشعرية
لكبار الشعراء أمثال امرؤ القيس وعمرو بن كلثوم وعنترة وحسان بن ثابت والخنساء والمعري
والمتنبي وأبي تمام وغيرهم ممن عبّروا عن موضوعات وقضايا فلسفية واجتماعية وإنسانية
شكلت رصيدا معرفيا كبيرا للباحثين والمنشغلين بالمجال.
هذه المصادر والنصوص، مما تدوول في الساحة
العلمية والثقافية، عكست العلاقة الجدلية بين الأدب والمعرفة، إذ وثقت من خلال مضامينها
وقيمها المبثوثة فيها مختلف التحولات التي شهدتها البشرية، وأسهمت في إنتاج وعيها
الجمعي، تصورا وممارسة وذائقة جمالية.
أما الحديث عن النماذج الأدبية الغربية فلا خلاف، أيضا، حول ما مثلته بعض الملاحم القديمة كالأوديسا لهوميروس أو الكوميديا الإلهية لدانتي وغيرهما من المصادر المعرفية الأخرى كالروايات الواقعية في القرن التاسع عشر مثلا، حيث الجمع بين التوثيق التاريخي للمرحلة في تحولاتها الصناعية والاجتماعية وما رافقها من تحليلات عميقة للصراع الطبقي من جهة، وترسيخ للقيم الإنسانية والخيال الأدبي في تجلياته التعبيرية المختلفة، من جهة ثانية. ومن ثمة، فقد وجد المهتم بالأدب والمعرفة نفسه مدعوا لمواصلة النبش والبحث في المصادر والأصول للوصول إلى ما يبتغيه من معلومات وإضاءات تمس جوانب من اهتمامه، دينية كانت أم سياسية أم ثقافية أم فنية.
2-التحول الرقمي فضاء للتفاعل في العصر الحديث
واستنادا إلى هذا المعطى التاريخي المزدوج، يمكن
طرح سؤال مفاده إلى أي حد كان الأدب قديما أداة لإنتاج المعرفة والتأمل الاجتماعي؟
فإذا كان الأدب قد ارتبط بالمكتبات والكتب على المستوى الورقي؛ فإن الحديث عنه
اليوم في جانبه الرقمي وصلته بالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يغفل الإشارة إلى عدد
من النصوص التفاعلية حيث يشارك القارئ، بشكل أو بآخر، في إنتاج المعنى. لعلنا نذكر
هنا، تلك الرواية الشهيرة لمحمد سناجلة الموسومة ب"شات" باعتبارها حوارا
رقميا تفاعليا، وما أثارته من ردود أفعال إزاء ما تحمله من معلومات وإضاءات وما
فرضته من تقنيات غيرت مجرى التلقي المعتاد.
ولعلنا أيضا، نحيل إلى ما نصادفه من أعمال لشعراء
عرب وقد أدمجت نصوصهم مع الصوت والصورة والفيديو من باب إحداث التفاعل مع المتلقي،
مستمعا كان أم مشاهدا، مثلما حصل مع شعراء محدثين كالسياب ونازك ومحمود درويش ونزار
قباني وأدونيس بأصواتهم أو شعراء قدامى كأبي فراس الحمداني وأبي الطيب المتنبي
بأصوات غيرهم.
هذا التحول التكنولوجي الطارئ، من الورقي إلى
الرقمي ومن الشفاهي المباشر إلى المسموع والمرئي، كان من شأنه أن يعيد النظر في علاقة
الأدب بالذكاء الاصطناعي، حيث تكمن قدرة هذا الأخير على توليد نصوص إبداعية في
الشعر والرواية كما في المقالة وغيرها، وفق ما يبتغيه الكاتب من تعديلات. وهو
الأمر الذي جعل المعرفة الأدبية قريبة من المتلقي وسريعة التداول، وبالتالي تجسير
علاقة جديدة بين الإنسان والآلة. فإلى أي حد يمكن اعتبار ما يُنتج بواسطة الذكاء
الاصطناعي إبداعا يعوض إبداع البشر؟ أو اعتباره أدبا حقيقيا يعتد به؟
لا شك أن من ميزات الأدوات الرقمية أنها وسعت
دائرة الفهم وأنشأت شبكات معرفية متطورة تربط بين أطراف ثلاثة تتمثل في: الباحث
والقارئ والنص. وهو الثلاثي الذي تستند إليه عملية التواصل. كما أنها عملت على
تنويع مصادرها المعرفية وعمدت إلى إدماج التراث بالحداثة باعتبار هذا التراث مرجعا
ثقافيا قابلا للتداول والانتشار الرقمي السريع. ومن ثمة، يمكن إلى حد ما،
الاطمئنان إلى أن التكنولوجيا لا تقصد طمس الدور المعرفي للأدب أو تهدف إلى تغيير
شكله ووظيفته، بقدر ما تتوخى أن تكون شريكا في الإبداع، ومحفزا عليه.
ومع هذه التحولات الدينامية، الواقعية منها والافتراضية، أتاحت التكنولوجيا أشكالا متعددة وجديدة في مجال الأدب والمعرفة. ففي مجال السرد مثلا، برز الأدب التفاعلي والذكاء الاصطناعي، ليس من باب التنافر؛ وإنما بهدف الحفاظ على جوهر التجربة الإنسانية، شريطة أن يحسن الإنسان توظيفها بما يعزز البعد المعرفي والجمالي في ما ينجز.
3-الأدب باعتباره مواكبا لتطلعات الإنسان
بالرغم من التحديات الكثيرة المطروحة أمام
الإنسان، في الوقت الراهن؛ يبدو أن الأدب لا يزال قادرا على أداء رسالته التواصلية
والمعرفية في خدمة الإنسان وأداة للفهم والتأمل والتحليل. ولن يتأتى له ذلك إلا
بما يُبين عنه من مقدرة على مواكبة تطلعات اليوم والراهن. فالإنسان، بطبعه، متطلع
دوما، إلى الأجود والأمثل ويسعى إلى تحقيق ذلك، بما أوتي من كفايات ثقافية
وتواصلية ومنهجية ولغوية ممتدة. لذلك، حين توفق، إلى حد بعيد، في إرساء دعائم
التكنولوجيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والبرامج التطبيقية المختلفة
تحولت حياته إلى ورش مفتوح على الراهن والمستقبل في آن. وقد تجلى ذلك في كثير من
الإنجازات العلمية والثقافية والتربوية التي صارت مدعاة للتأمل والمتابعة.
ومن أجل ربط النظري بالتطبيقي، أي ربط
الصلة بين المقترح التكنولوجي الحديث والمنجز الإبداعي البشري، أمكن للباحث، مثلا،
أن يستخدم صورا أو مقاطع قصيرة من نصوص رقمية، نثرية كانت أم شعرية، أو
أصواتا تعبيرية متباينة مع وضع روابط مناسبة لتجارب تفاعلية تستهدف المتلقي في
واقعه ومعارفه. وهو استهداف يعكس عمق التحول الاجتماعي والإنساني الذي حصل على
مستوى الواقع وبناء المعرفة انطلاقا من تمثلات سابقة إلى تطلعات آنية ومستقبلية.
فبالأمس كان الأدب حاملا للمعرفة الاجتماعية حيث
انصرف الكتاب والمبدعون عموما، عبر أشكال تعبيرية مختلفة، لرصد مجمل التحولات التي
يشهدها المجتمع، أفرادا وجماعات. ومن هنا، تشكلت العلاقة الخطية بين المنجز الأدبي
الإبداعي والمجتمع، حيث المجتمع ينتج وقائع وأحداثا، باعتبارها معرفة، والأديب
المبدع يعيد إنتاجها في قوالب تعبيرية فنية. هكذا مع التحولات الاجتماعية
والثقافية والتكنولوجية صار إنسان اليوم بين واقعين مختلفين؛ لكنهما متكاملان.
واقع ثقافي لا يزال يؤمن بالمعرفة المبثوثة في الكتب الورقية (مصادر ومراجع ومعاجم
وغيرها) وواقع انتصر للكتب الرقمية في قدرتها على إنتاج المعرفة وتوفيرها أيضا.
4-الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيطا رقميا لتطوير
المعرفة الإنسانية
تبعا للتمثل القديم الذي بات متجاوزا، لأسباب
موضوعية (مكانية وزمانية) فقد عوض بأشكال حديثة ذات صلة بعالم الرقمنة والذكاء
الاصطناعي. فالأنترنيت والمكتبات الرقمية أسهمت في تسريع وتيرة الوصول إلى
المعرفة، حيث أصبحت متاحة للجميع دونما تمييز بين متلفق وآخر. ذلك أن الوسائط
الرقمية لم تقتصر على النصوص المكتوبة أو المرقونة فحسب؛ بل تعدتها، كما أشرنا
سابقا، إلى الصور والأصوات والفيديو.
ولعلنا نقف عند مثال أول يتعلق بذخيرة المكتبة
الرقمية بالنظر إلى ما توفره من آلاف المخطوطات والكتب العربية، من معاجم وموسوعات
ودواوين شعرية وأعمال تراثية قديمة، تسهيلا للبحث والدراسة، بالإضافة إلى ما لبعض
المنصات الرقمية من أهمية في إنتاج معرفة أدبية وفكرية وعلمية مختلفة، توزعت بين
المنصات التعليمية والثقافية والفنية. مثلما نقف عن مثال ثان، حينما نروم كتابة نص
إبداعي أو مقالي ما، تبادر الآلة أو الحاسوب، إلى تصحيح الكلمة أو وضع خط أحمر
تحتها للتنبيه على الخطأ اعتمادا على المعالجة الكبرى (أو العظمى) للبيانات (big data). إذ الواقع أن هذه الآلة لا تصدر عن شعور نفسي
بالخطأ، بقدر ما تتوقع صحة الكلمة استنادا إلى احتمالات إحصائية، خلافا لشعور
الإنسان. وهو ما يحدث لحظة من الدهشة والانبهار.
أما المثال الثالث فحين يكتب الذكاء الاصطناعي
قطعة شعرية في موضوع ما (في الطبيعة أو الغزل أو المدح أو الوصف مثلا) فإنه لا
يعكس تمثله للواقع الحي المباشر؛ ولكنه يستجمع ما قيل في الموضوع أو المواضيع كما
ذكرت في الكتب السابقة. إنها قدرة فائقة على المحاكاة والنسج على المنوال. ومن هنا
فكرة التحول الاجتماعي، من الإنجاز الفردي إلى العمل التشاركي.
القول نفسه يمكن أن ينسحب على التلحين أو الغناء
أو الرسم، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي، بأطيافه المختلفة، أن ينجز المطلوب في وقت
وجيز، وربما يبهرك بمنجزه فائق السرعة والجودة أيضا. ومن ثمة إحساس الأديب وشعوره
بالعجز والنقص، حيث الآلة تستطيع ما لا يستطيعه، من جهة، وأن الواقع الاجتماعي
والكائن البشري لم يعودا محورا للعملية الأدبية؛ وإنما الآلة سرقت منه الأضواء
والفاعلية من جهة ثانية.
5-على سبيل التركيب
استنادا إلى ما سبق، يمكن القول إن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي استطاعت أن تعيد النظر في تاريخ العلاقة بين الأدب والمعرفة، وقد شكلت فرصة سانحة لتجديد الأديب لمعرفة الإنسانية والعمل على تطوير ذاته بما يجعل الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد لا مهيمن. فالأديب لا يزال في مقدوره، رغم التحولات الرقمية، أن يبدع وينتج وأن يحصن مكانته ووظيفته التي لا تستطيعها الآلة، إن استطاع أن يعيد النظر في مفهوم الأدب والمعرفة والإبداع، ويحسن الفصل بين ما ينجزه وما تنجزه الآلة في توازن وانسجام. هكذا، يبقى الأدب مجالاً لفهم الإنسان، رغم التحولات الرقمية، لكنه مطالب بإعادة تشكيل ذاته بما يتلاءم مع العصر.

.jpeg)
دمت سالمين و تحية تربوية عالية و مزيدا من التألق و المواضيع المعرفية مثل هذه الاستاذ الكبير
ردحذف