مسارُ الشّعـر المغـربي الحديث
لعل الحديث عن الشعر المغربي، حديث ذو شجون، ليس فقط لمساره الممتد في الزمان والمكان؛ وإنما أيضا، لصعوبة الإحاطة بكل التجارب التي تمثله. ولا شك في أن المواكب لهذا المنجز الشعري، يلاحظ الدينامية التي ميزت مساره. فإذا كانت الانطلاقة الأدبية مع ظهور الدولة المغربية، زمن المرابطين وما قبله؛ فإن تلك المرحلة، على الرغم من ندرة الإنتاج، حققت تراكما عكس طبيعة التواصل بين الشعراء المغاربة وبين نظرائهم في الأقطار المجاورة.
كما أبانت عن التزام ظاهر بعمود الشعر العربي، لفترة طويلة. وخلال الثلاثينيات من مغرب القرن العشرين، صدر أول ديوان سنة 1936، تلَتْهُ سلسلة من الإصدارات. والملاحظ أن وتيرة النشر كانت بطيئة، إذ لم يتجاوز معدل الإصدار في السنة الواحدة الديوان أو الديوانين؛ بل إن فترة الستينيات نفسها لم تتجاوز إصداراتها العشرين ديوانا. وبذكر الستينيات، يدخل الشعر المغربي مرحلة متقدمة مع القصيدة، حيث بدت الحاجة إلى تطوير أسلوب الكتابة، بما يتلاءم والتحولات السوسيوثقافية، وكذا ما ينسجم مع التطورات التي عرفتها القصيدة العربية.
وعلى الرغم من ارتفاع صبيب الإصدارات زمن التسعينيات، مقارنة بالسابق؛ فإن الصلات الثقافية لم تنقطع بين شعرائها، حيث وجدنا عددا من التجارب تتداخل في ما بينها وتتباعد، في الآن ذاته.
لقد تفاعل الشاعر
المغربي مع واقعه تفاعلا ينم عن حركية الأفراد والجماعات داخله، وانبرى للتعبير عن
أحوال الذات وقضايا المجتمع عبر اللغة والمجاز، لذلك لا غرابة أن يتوارى المد
الرومانسي، مقابل المد السياسي والأيديولوجي. هذا المد سيُترجم إلى نصوص تحفر في
اليومي والهامشي. فشاعر المرحلة حين ركن إلى الكتابة، صدح ضد القمع والسلطة
والفساد. ولأن القصيدة المغربية ممتدة في الزمان والمكان، شكلت الثمانينيات لحظة
من لحظات الممارسة الشعرية، حيث عرفت رواج أكثر من مئة وأربعين ديوانا، إذ تحرر
الشعراء، نسبيا، من المد السياسي الجارف، واختاروا الانفتاح على شعريات تمتح من
المعرفة والتصوف والفلسفة والتشكيل والموسيقى. وهو ما بدا جليا في بعض المقترحات
النصية، إلى جانب ما حققته القصيدتان العمودية والتفعيلية من تطور على مستوى
اختيار الصور والمعاني، وتوظيف الرموز والأساطير ودمج راقٍ للتراث والفنون.
ثمة تجربة أطلق عليها
القصيدة البصرية؛ وهي تجربة راهنت على سؤال الكتابة من خلال الاهتمام بالتشكيل
وبالعين القارئة. فقد اختار الشاعر المغربي أن يمنح فضاء التدوين بعدا جماليا
مخالفا لما كان متداولا، من خلال المزج بين الشعر والخط المغربي، واستدعاء ثنائيات
البياض والسواد والامتلاء والفراغ والأشكال والأيقونات. واللافت أن هذه التجربة
لقيت استحسانا من لدن القراء والنقاد، انطلاقا من الفسحة التي منحتها للعين
الرائية، بعد هيمنة طويلة للقصيدة الصوتية.
وعلى الرغم من ارتفاع صبيب الإصدارات زمن التسعينيات، مقارنة بالسابق؛ فإن الصلات
الثقافية لم تنقطع بين شعرائها، حيث وجدنا عددا من التجارب تتداخل في ما بينها
وتتباعد، في الآن ذاته. وهو الأمر الذي سيجعل من اختيار التحقيب الزمني تصنيفا لا
تؤتمن عواقبه. فقد وجبت قراءة الشعر المغربي، أفقيا وعموديا، كي تكتمل صورته
الموضوعية. فثمة شعراء مارسوا التحديث عبر التزام بعمود الشعر، وبالتفعيلة تارة،
وعبر اجتراح نص مغاير تارة.
في هذا الصدد، أعلنت
قصيدة النثر عن نفسها، وراهن أصحابها على ما تمنحه من إمكانيات تقوم على تفكيك
النظم وتوليف اللغة وتكثيف الصور. فالشاعر، هذه المرة، اختار الإيقاع الداخلي
بتنويعاته المتعددة عوض الانجراف إلى الإيقاع الخارجي بما هو أوزان وقوافٍ. لذلك،
لا غرابة أن يحتفي هذا النوع من الكتابة بالسرد والترميز والتخييل والحفر اللغوي
الدائم، ترسيخا لوعي جمالي. لقد نجحت هذه التجارب، أو بعض منها، وهي تحاكي الواقع
وترصد تناقضاته وتحاور الذات وتعكس انفعالاتها، في تشكيل حس نقدي لدى متلقي الشعر.
كما نجح الشعراء في بلورة رؤيتهم الفنية التي استندوا إليها لحظة الكتابة. ومع
بداية الألفية الثالثة، سيعرف الشعر المغربي انتشارا واسعا على مستوى العناوين،
التي تطرحها دور النشر، المغربية منها والعربية. وهي أعمال تفاوتت من حيث الحجم
والبناء والدلالة. وطرحت، في المقابل، قضية كبرى تتعلق بسؤالي الكم والكيْف. غير
أن هذا التراكم اعتُبر ظاهرة صحية بالنظر إلى الدينامية التي بدأ يعرفها المشهد
الثقافي المغربي عامة، والمواكبة النقدية التي أضحى يتمتع بها، محليا وعربيا.
هذا التراكم أفرز ذائقة
جديدة انسلخت تدريجيا من سطوة العمودي، ومن سلطة التفعيلي أيضا. فقد أصبح الشعراء،
تبعا لهذا التحول، ينشدون أفقا مغايرا أكثر حرية يلتمسون من خلاله نصا مفتوحا. وهو
ما كشفته بعض القصائد حين التحمت بالنثر، بما فيه من جماليات السرد والنفس السيري
الأوتوبيوغرافي.
ولم يقف الأمر عند انتشار قصيدة النثر؛ بل تعداه إلى الكتابة في شكل شعري آخر، من
قبيل الشذرة والهايكو، وهو ما استدعى بلاغة نقدية مغايرة تواكب هذا الشعر في مساره
المتجدد. لقد رسخ الشعراء المغاربة انحيازهم للتجريب، باعتباره رهانَ الكتابة. كما
أن استدعاءهم للآخر الشعري يعد أحد مظاهر الانفتاح على الكوني والإنساني. إن ما
راكمه الشعراء المغاربة، على فترات زمنية متفاوتة، سواء في تجربتيْ العمودي والتفعيلي،
أو في تجربتي النثيرة والشذرة أو في غيرها، يذكي الانطباع بأن هذا المنجز الفني لا
يخلو من ذاكرة ورسالة.
أخيرا، هناك زحف جديد
من الأسماء التي تبحث لها عن موقع قدمٍ في المشهد الشعري العام. فالمتداول الآن،
فاض على ضفاف النشر، الورقي منهُ والافتراضي، لذلك، فقد بات لزاما على النقد أن
يدخل على الخط، بأدوات نقدية حديثة، لتصفية هذا السيل من أوحاله اللغوية والفنية
والإيقاعية. لعلهم قادمون.

إرسال تعليق