U3F1ZWV6ZTkyMzU4Njc2MzA1NjBfRnJlZTU4MjY3ODM5MzQ1ODI=

مُحمّد إبراهـيم بوعلو والنِّـضالُ بالكِـتابَـة

 

عرفت الساحة الثقافية بالمغرب، منذ أربعينيات القرن الماضي، حركية قصصية ارتبطت ملامحها الفنية مع مبدعين[1] آثروا التعبير عن قضايا الذات والمجتمع، متوسلين فنّيا بالخطاطة السردية القائمة على عناصر ثلاثة هي: البداية والوسط ثم النهاية. غير أنه، خلال فترة السبعينيات وما بعدها من القرن نفسه، ستظهر أعمال قصصية جديدة لم يحافظ مؤلفوها على المكتسبات السابقة فقط؛ وإنما راهنوا على ما في هذا الجنس السردي الوجيز من إمكانات فنية مخاتلة، تسمح بمزيد من التعبير والبوح والتخييل. ومن ثمة، كان حرص هؤلاء المبدعين على ضمان الانسجام بين وعيهم الجمالي ووعيهم الاجتماعي، أثناء فعل الكتابة.

وبالنظر إلى التراكم القصصي اللافت، وقتئذ، إذ عرف انتشارا وتداولا ملحوظا بين القراء والمهتمين بالسرديات، فقد انبرى عدد من الباحثين والنقاد إلى تقديم سلسلة من المقاربات التي تروم الكشف عن بعض ما احتضنته هذه الأعمال السردية، من أبعاد إنسانية وسمات جمالية. وهي مقاربات تفاوتت من حيث الرؤى والمرجعيات، كما تراوحت بين التنظير السردي والتحليل النصي. يقول نجيب العوفي: "عرفت القصة القصيرة المغربية مجموعة من التحولات: تحول من الخارج إلى الداخل أو من الموضوع إلى الذات، تحول من الحدث إلى اللاحدث، تحول من اللغة الإخبارية المطمئنة إلى اللغة الإيحائية القلقة، ولقد شكل هذا التحول الذي طرأ على القصة المغربية خلخلة واضحة للبنية القصصية التقليدية."[2]

في هذا السياق الأدبي الذي ألمح إليه العوفي سابقا، لا يمكن الحديث عن فن القصة القصيرة المغربية دونما استحضارٍ لأحد الوجوه القصصية البارزة والرائدة في هذا المجال، اعتبارا لما قدمه من خدمات جلى للكتابة والفكر والأدب. يتعلق الأمر بالكاتب والأديب محمد إبراهيم بوعلو.

إنه واحد من أبناء مدينة سلا البررة، وصاحب تجربة طويلة في كتابة القصة القصيرة وأحد مؤسسيها. سطع نجمه في سماء الكتابة والإبداع، حيث نشر عددا من النصوص القصصية ضمها في مجموعة "السقف 1970" ومجموعة "الفارس والحصان 1975"، كما نشر نصوصا في المسرح وسمها بعناوين من قبيل: "أربعة طلاب 1973" و"الاتفاق 1976" و"عودة الأوباش 1977". وهي أعمال كتبت بحس المثقف والمناضل، ولقيت رواجا وتداولا من قبل القراء والنقاد، على حد سواء.

لقد استطاع محمد إبراهيم بوعلو، من خلال محترفه السردي المتنوع، أن يسجل مبكرا، حضوره اللافت في المشهد الثقافي المعاصر. فبالرغم من انشغاله بالدرس الفلسفي وما يقتضيه من حرص منهجي وتدقيق مفاهيمي، تخصّصا وتدريسا؛ فقد انحاز إلى الكتابة السردية، بوصفها مساحة موضوعاتية للعبور من الذات إلى الآخر؛ بل وأفقا جماليا، يمس اللغة والتخييل والقوالب الأسلوبية المختلفة.

لقد حرص بوعلو، في بناء مادته الحكائية، على المزاوجة الفنية بين استلهام الذاكرة والواقع الجديد، اجتماعيا وسياسيا، وبين استشراف عوالم الحلم والتخييل. تلك المادة التي امتد تأثيرها، بشكل من الأشكال، في المسار النضالي والقصصي الذي تبناه بوعي المبدع وحس الشاهد والناقد. ولعل أسئلة من قبيل: ماذا تقول القصة؟ وكيف تقال؟ وهل للسرد والوصف وظيفة داخل الحكاية؟ ثم كيف يظهر المكان في صلته بالزمان؟ وكيف يحضر البطل في علاقته بالذات وبالآخر؟ وغيرها من الأسئلة التي سيّجت تجربة الكاتب ورسمت معالمها الفنية، لتؤكد قيمة المقروء القصصي ورحابته الإبداعية، لغة وبناء ودلالة. ومن ثمة، شكلت مقترحاته السردية مرجعا قصصيا متنوعا يقود إلى معرفة خبايا الواقع الاجتماعي والسياسي معا، وبعض ما يتعرض له المواطن، داخل بيئته، من أزمات وانتكاسات.

لقد اختار محمد إبراهيم بوعلو النضال بالكتابة، وذلك بالاصطفاف إلى جانب الفئات المقهورة والهامشية من المجتمع، ثم الدفاع عن قضاياها الإنسانية والمصيرية. ذلك ما نجد صداه في عدد من النصوص القصيرة التي تفاوتت موضوعاتها تبعا لنوعية الأحداث وطبيعة الشخصيات. موضوعات تتصل بمناحي الحياة وطقوسها تارة، وبمواقف الذات الإنسانية وحالاتها تارة أخرى. واستنادا إلى هذا المنزع النضالي، تصورا وممارسة، يمكن أن نقرأ مجاميعه القصصية، قراءة تعكس طبيعة الرؤية الفنية التي ينطلق منها.

لقد تعامل الكاتب مع واقعه وما يعيشه المواطن داخله من أحلام وأوهام، لذلك، تراه في مختلف نصوصه القصصية يروم النفاذ إلى عمق الأشياء وجوهرها، مستحضرا تقنيات وأساليب تعبيرية متفاوتة التأثير. وهكذا شكلت ثنائيات الفقر والغنى، اليأس والأمل، الرغبة والحرمان، الهجرة والاستقرار وغيرها، أهم الموضوعات التي انشغل بها الكاتب، مثلما انشغل بها غيره من كتاب القصة ممن جايلوه. كما شكلت موضوعات السياسة والمرأة والحرية والطفولة أهم القضايا التي أطرت تلك النصوص القصصية المقترحة، وتم التعبير عنها بأسلوب السهل الممتنع، حيث البساطة دون تعقيد أو تكلف.

وبالنظر إلى القيمة الموضوعية والفنية التي اكتستها أعمال الكاتب محمد إبراهيم بوعلو تم إدراج عدد من نصوصه القصصية وأقاصيصه القصيرة، ضمن محتويات بعض المقررات الدراسية، سواء الموجهة لتلاميذ السلك الثانوي الإعدادي أم تلاميذ السلك الثانوي التأهيلي؛ بله الجامعي أيضا. نذكر من هذه النصوص، على سبيل المثال لا الحصر: البحّار المتقاعد، الصف الطويل، مبارزة، البناية الجديدة، القافلة، صياّد، الحذاء الجديد.. وغيرها ممّا لقي استحسانا من لدن الأساتذة والتلاميذ. وهو استحسان يعكس مدى تجاوب المتلقي/المتعلم مع المقروء المغربي، أحداثا ومواقف وقضايا. والحقيقة أني استشعرت هذا التجاوب الأدبي والفني حينما تيسر لي تدريس بعض نصوصه القصصية بالسلكين الإعدادي والثانوي، قبل الالتحاق بالتعليم الجامعي.

يقول إدريس الناقوري في أحد مقالاته النقدية عن مجموعة "الفارس والحصان"، على سبيل الاستشهاد، ليس إلا: "درج الكاتب على إعطائنا نماذج بشرية تمتح أفكارها وتصوراتها من واقع التجربة المعيش، لأنها تنتمي إلى هذا الواقع، وتلتصق به. واستطاع كذلك أن يقدم لنا من منظوره الخاص عدة شرائح اجتماعية تتحرك فيها أبطال قصصه عبر واجهة الصراع والتناقض، كل ذلك بمنتهى الحياد والموضوعية، وبعيدان إلى حد ما، عن الاستغراق في الأساليب المحدثة والتقنيات الفنية المستجدة."[3]  

ومعناه، أن إبراهيم بوعلو نجح في تعرية الواقع المغربي وتسجيل انكساراته، من خلال جرد المظاهر التي شكلت الشخصية القصصية محورها الأساس تارة، ومن خلال رصد المعالم والملامح التي شكلت بنية فضائها القصص، بنوعيه المكاني والزماني، تارة أخرى. ولا شك أن العودة إلى مجاميعه القصصية أو مجاميع غيره مما صدر وقتئذ، لتعطي الدليل على طبيعة المادة اللغوية التي يمتح منها القاص في انتقاء اللفظ والتركيب، وفي اصطفاء المعنى والأسلوب والدلالة، كشكل من أشكال النضال بالكتابة.

إن لغة القاص إبراهيم بوعلو، لم تكن بعيدة عن محتوى ومضامين الحكاية الإطار. تلك اللغة، التي جمعت بين السرد والوصف والحوار والتأمل والنقد والسخرية والحجاج، من أجل بناء عمل فني، يجعل المتلقي أمام دهشة جمالية تغريه بالقراءة والمتابعة. ولربما هي محاولة للاقتراب من الواقع الاجتماعي وقراءته بعين الحاضر والراهن، وإسهام في تجنيس القصة القصيرة المغربية وربطها بالحداثة القصصية. ولنا في مقترحه القصصي الرائد "خمسون أقصوصة في خمسين دقيقة 1977" ما يعكس نزعته الحداثية في تكثيف النص القصصي وضغطه في كلمات، قبل مجيء ما يُعرف بالقصة القصيرة جدا. وهو ما سيدفع به إلى إصدار مجاميع أخرى ذات المنزع القصير جدا، منها: "قبل الثامنة بقليل أقاصيص قصيرة جدا 2013" مثلا.

بهذا المعنى، كان محمد إبراهيم بوعلو يجتهد، ما وسعه التعبير والنضال، في بلورة رؤية قصصية تنسجم واختياراته الموضوعاتية والجمالية، سواء حين استحضاره للمواقف والأحداث أو حين استدعائه للأفضية والشخصيات، أو حين تبنيه لبعض الأساليب والتقنيات.

أخيرا، موازاة مع كتابة القصة القصيرة، لا سبيل لإغفال ما كان للأديب محمد إبراهيم بوعلو، أيضا، من فضل في تأسيس اتحاد كتاب المغرب، ومن تأسيس مجلات ثقافية نذكر منها: "مجلة أقلام 1964"، و"مجلة فكر ونقد 1997" باعتبارهما من المبادرات الفارقة في المشهد الثقافي المغربي، استهدفتا فئة عريضة من الباحثين والمهتمين بالشأن الفكري والفلسفي والثقافي، مغربيا وعربيا. وقد نشر فيهما العديد من أدباء ومثقفي تلك المرحلتين. وبين الإصدارين السابقين نستحضر كذلك، تأسيسه لـ"مجلة أزهار 1976" الموجهة للأطفال تحديدا، حيث خصها الكاتب بعدد من النصوص الإبداعية، التثقيفية والتنويرية، التي تنسجم وطبيعة الموضوعات المقدمة، كالإيمان بالعلم واستعمال العقل والابتعاد عن كل مظاهر التواكل والكسل.

أخيرا، تلك بعض ملامح وسمات ميزت مسار محمد إبراهيم بوعلو، في مجال النضال بالكتابة، جعلت منه رائدا من رواد القصة القصيرة بالمغرب، وشخصية واقعية بامتياز تبعا لتجربته القصصية الطويلة، وما حملته من مضامين وقناعات سياسية واجتماعية، صيغت بأسلوب أدبي متين وقمين بالقراءة والتأمل.

++++++++++++++++++++++

إحالة: نشرت الشهادة بالملحق الثقافي لجريدة العلم، يوم الخميس 15 يناير 2026 

[1]- من هؤلاء مثلا عبد المجيد بنجلون، عبد الكريم غلاب، مبارك ربيع، محمد بيدي، خناثة بنونة، رفيقة الطبيعة، محمد الصباغ.. وآخرون

[2]- نجيب العوفي. مجلة آفاق. المغرب العدد 12 السنة 1983 ص33

[3]- إدريس الناقوري. المصطلح المشترك دراسات في الأدب المغربي المعاصر. دار النشر المغربية. البيضاء. ص189   

تعديل المشاركة
author-img

أحـمـد زنـيـبـر

أكاديمي وناقد أدبي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. رئيس فريق البحث "الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية". عضو اتحاد كتاب المغرب وناشط جمعوي. له مؤلفات فردية وجماعيةمتعددة...
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق