U3F1ZWV6ZTkyMzU4Njc2MzA1NjBfRnJlZTU4MjY3ODM5MzQ1ODI=

قـبـسٌ مِن ذَهَـب في حُـبِّ الأدَب


يَرْفَعُ اللهُ الّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ والّذينَ أوتوا الْعِلْمَ دَرَجات (المجادلة، آية 11)

من بديعِ الأسماء الثقافية التي اختارت الإقامة الفخريةَ في مسْكن الذاكرة، اسمٌ بارز في سماء العلم والمعرفة كان لهُ كبير الأثرِ في جزء مُهم من مساري العلمي والثقافي. اسمُه يحضر في أكثر من مجال، إن في الفكر والفن والأدب أو في الفقه والتراث الإنساني أو في الدبلوماسية والفعل السياسي. إنْ تسألْ عنهُ فهو أشهرُ من نار على علَم، كما يُقال. هو ذاكرةٌ تستعصي على النّسيان، أو لوحةٌ تنهضُ بالمعاني والألوان.

ولأن شخصيةَ المرء مركّبة تستمد كيانها ممّا تفرّق في الغير وفي الكون؛ فقد يبدو من الصّعب حصرها في خانةٍ أو زاوية واحدة، مثلما يصعُب البوح كلّما اتّسعت الدائرة. غير أن شيئا ما في الدواخل شدّ عن الطوق، فاهتديتُ إلى نورٍ يُضيء سرّ الكلام، كي يشدوَ الطير باسمهِ أغنيةً تظل خالدةَ الذّكر، في القلب والوجدان.

إنهُ أستاذ الأجيال عباس الجراري واحد من الذين انتصروا للأدب المغربي المُعرَب، في مختلف ظواهره وقضاياه. أعْلن مُبكرا عن قيمة هذا الأدب وما يُضمره من قيَمٍ مغربية خالصة، تعكسُ حضارةً تاريخية ضاربة في الزمان والمكان. آمَن أيضا، بدور الأدب الشعبي، باعتبارِه هويةً ولونا تعبيريّا لا يخلو من أدبية. ولأنها شخصيةٌ عُرفت بهذه السّعة الثقافية الممتدّة، فقد وُسمت، في أكثر من شهادة، بالشمولية والموسوعية.

لكنْ، كيف تعرفتُ إلى الرجل؟ وما الغاية من وراءِ هذا الاستدعاء؟ وهل بمقدور بعض الكلمات أن تفيَ حقّهُ من المودة والتقدير؟ 

أذْكُرُ حين كنت أدْرُس بالسلك الثانوي التأهيلي في ثمانينيات القرن الماضي، خلال حصةٍ دراسية، حديثَ مُدرِّس اللغة العربية، آنذاك، عن الأدب المغربي وعن ثُلة من علمائه وشعرائه. أعلام آمنت بجدوى الكتابة والنبش في الموروث الثقافي، الشّفهي منه والمكتوب، من خلال نفْض الغُبار عنه وتصحيح بعض الآراء المشكّكة في قيمَته. وكان هذا الحديثُ الرائق مشفوعًا باستعراضٍ مُفصّل عن أهمّ الكتب النقدية، التي عني مؤلفوها بالأدب في المغرب الأقصى، وفق تصوّر ومنهج تحليليّ خاص. كان من هؤلاء عباس الجراري، من خلال كتابه المرجعي في الثقافة المغربية: "الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه"[1].

ثُمّ، ابتدأت الرحلةُ الطوعية في اقتناء الكِتاب وقراءته ومحاولة فهمه. لفَت انتباهي، في البدء، تعريفٌ مقتضب للمؤلف، بالصفحة الثانية للغلاف، ورد فيه:

عباس الجراري

 دكتور دولة في الآداب

أستاذ التعليم العالي (كرسي الأدب المغربي)

عباراتٌ حرّكت سواكِني، من حيث أدري أو لا أدري. كان أوّل كتابٍ قرأتهُ له، وأنا لا أزال غضّا طرِيّا في مجال الأدب. قرأتُه أكثر من مرة، مُتخيّلا حماسَته الوطنيّة وعنايته باللغة العربيّة. ولعلّهُ التخيُّل الذي أيقظَ، في دواخلي، مشاعرَ ناشئٍ يصبو إلى أن يكون ذا شأن.

صاحبَ هذا الانجذابُ السّحري للأدب المغربي وفنونه، انجذاب آخر، لرموزه الفكرية والإبداعية التي واكبتها في بعض الكتب النقدية وفي الملاحق الثقافية. تهجّيتُ، لحظتها، معنى الكتابة وتشرّبتُ بعض جمالياتها الشعرية والسردية، فواصلتُ درب القراءة وانغمسْتُ في أسرارها البديعة. صار الكتابَ خير صديق لي، في خلواتي، مثلما صارَ البحثُ في المكتبات أمتع لحظاتي.

ثم أذْكُرُ، قبل التحاقي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، كنتُ أشدَّ الحرص على حضور أغلب المناقشات العلمية الخاصة بالرسائل والأطاريح الجامعية في تخصُّصات مختلفة. ولم تكنِ اللغةُ العربية سوى واحدةٍ من الشّعَب التي أدمنتُ على متابعتها، إلى جانب شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع. وقتَها كان الإعلانُ عن تواريخِ المناقشات يُذاع عبر أثير الإذاعة الوطنية مع العبارة الشهيرة: "والدعوة عامة".

كنتُ أعتبر الإنصاتَ إلى مداخلات الأساتذة، ومنهم عباس الجراري، تارة بوصفه مشرفا، وتارة أخرى باعتباره مُناقشا، درْسًا في حُسن الاستماع والإنصات. وكمْ كُنت أشعُر بالسّعادة وأنا أدوِّنُ مُلاحظاته وتصويباته وتعليقاته التي كانت تستهدف، في الغالبِ، بنيَة العملِ وموضوعَه ومنهجَه. وهي لحظة فارقة، في مساري التكويني، لا تزال أغنيةً في البال، وإن نسيتُ فمُذكّرةٌ، في دُرج المكتب، تنتصِبُ شاهدةَ عِيان.

وإن كنتُ أنسى، فلا أنسى انشراحي حين التحقْتُ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، طالبًا في شعبة اللغة العربية، تخصّص أدب، وكذا ابتهاجي كُلّما حضرتُ ندوةً علمية، هنا أو هناك، يكون فيها الأستاذ عباس الجراري ضيفا أو مُشاركا. وأكاد أجزِمُ أنّي لم أتجاهل يوما دعوةً موضوعُها الأدب، طوال سنوات الإجازة، إذ كلما صادفتُ إعلانا أو سمِعتُ في المذياع بلاغا، إلا تهيّأتُ سمْعا.

هكذا اقترنَ ولَعي بالأدبِ بمقاماتِ الإمتاع والمؤانسة، سواء أكانَ مُتّصلا بالقديم أم بالمعاصر والحديث. ظلّ الأستاذ الجراري مُلهِمًا، ولوْ من بعيد. أتأمّلُ شخصَه المهيب وأستدعي حرفَهُ الأريب. وكمْ تمنّيتُ لو كُنت ظفرت بحديثٍ منه أو جلسةٍ على السّريع. غير أن الأقدارَ سُرعان ما اختلستِ السّمع، فكانت رحيمةً بي، حين استجابتْ لنِداء الدواخل، إذ يسّرتِ التحاقي بسلك الدكتوراه، بعد ذهابٍ وغياب، ضمن وحدة: "أساليب الكتابة في الغرب الإسلامي" كان رئيسَها المباشر.

وما أشبه اليوم بالبارحة، وها إني طالب مُستمع عن قربٍ، بعدما كنت طالبَ علمٍ عن بعد.  وجدتُني أمامه، وجها لوجه، في دُروس ومحاضراتٍ عالمة؛ بل في سفرٍ أدبيّ يروم الاقتراب من عوالم الشعراء وطقوس الأدباء من حقب تاريخية متتالية. لقد كانتِ انخراطًا في قضايا وتأملات ذات صلة بالتعبير والكتابة.

أذْكُرُ كيف كان الأستاذ عباس الجراري يمضي بتدرُّجٍ وارتقاء في دروس الخميس الأسبوعية، بين طرحٍ لظواهرَ أدبيةٍ وتحليل لنماذجَ شعريةٍ ونثرية، بلغةٍ عربية فصيحة. تَراهُ، يواصلُ قرابةَ الساعة ونصف متحدثا بطلاقةٍ وانسياب تامّ، فيما يخصص بقيّة الوقت لفتح باب النقاش، باعتباره محطةَ مواصلةٍ رئيسة. لحظتَها، أكون أوّلَ المتحدثين في الفصل، أسألُ وأناقِش وأبدي رأيا في ما تمَّ عرضُه من مواقفَ أدبية أو مقاربات منهجية. أما إنصاتُه النبيه فشكل عندي أحدَ المحفّزات للمُضِيّ قدما في عشق الأدب، بحثا وتحقيقا ودراسة وتحليلا.

هكذا، خلال سنةٍ تكوينية واحدة، كان الأستاذ الجراري إحدى دعاماتها الرئيسَة، أخذتُ بالضرورة، عبر مواد متباينة في التخصص والمحتوى، فكرةً عن الأدب المغربي والأندلسي معا. ميزتُ فضاءاتهما وموضوعاتهما، وتبيّنتُ خصائصهما وامتداداتهما في المخطوط والمرقون. أستحضرُ، بالتذاذٍ، عامَهُ ذاك، من المرحلة الجامعية حين أبان بجلاءٍ، عن انتصاره للأدب المغربي، في ما كتبه من دراسات متنوعة وأبحاث متعددة انحازت للمغامرة والمبادرة. لعلّ إطلالةً سريعة في عناوين ما كتبَهُ من مؤلفاتٍ متعددة، حول تاريخ الأدب المغربي واستحضارِ أعلامه ونوابغه، وكذا البحث في روافده الثقافية المختلفة، لتُعطي الدليلَ على موسوعية الرجل ومرجعياته المتنوعة.

لقد أحسستُ، بفِعل الانتماء إلى ذاكِرة الأدب، أنّ لي دورًا في هذا المجال وعليّ أن أواصلَ الدرب إن استطعت إلى ذلك سبيلا. وهو الأمر الذي حفّزني، بعد نيلِ شهادة استكمال الدروس، لأسجل أطروحتي في موضوعٍ مُركّب استحضرْتُ فيه الشعر المغربي في تواصلاته بالشعر المشرقي تارة، والشعر الأندلسي تارة أخرى. كان الموضوعُ حول ظاهرة المعارضة الشعرية، بما يطرحه من قضايا التقليد والتجديد والاتباع والابتداع.

وتزدادُ صلتي قُربا بالأستاذ عباس الجراري حين مُشاركتي في دورة تكوينية في المنهجية بمدينة مراكش. دورةٌ خصصت للطلبة الذين يُشرف على أطاريحهم وكان المطلوب منهم إعدادُ تقرير عن الأشواط التي قطعوها في إنجازِ البحث وعن المراحل المتبقية منه. رُبّما، لم أكن معنيّا، بشكلٍ مباشر، بهذه الدورة التكوينية، لكوني ما زلتُ في السنة الأولى وتركيزي توجّه إلى قراءةِ المصادر والمراجع بالأساس، قبل أن أشرعَ في عمليّة التّجميع والتّركيب والتّحرير. غير أن ترحيبَ الأستاذ الجراري وتزكيتَهُ لطلب الأستاذ المشرف، جعل المُشاركةَ تأخذ بُعدا تحفيزيا، يرومُ بالأساس، تقاسُم الأفكار والملاحظات.

كان الأستاذ عباس في تلك الأيّام أكثر مرحا وانشراحا، بدّد الخوفَ والارتباك الذي كان يُزعجني. حين كان يراني بمطعم الفندق يُبادرني بالتّحية، فيرفع خجلي وتردّدي. أما حين استمع إلى عرضي المقترح، بحضور مسؤول عن الكلية ومسؤول عن المؤسسة الداعمة، أشاد به أمام الطلبة المشاركين، ثم قدم ملاحظات وتوصيات تخص ما جاء في تقريري عن مشروع الأطروحة. والعجيب أنهُ كان يُحاورني ويسائلني، في هدوء وطمأنينة، كما لو كنت أمام لجنة في جلسة علمية للمناقشة. لعلي أستحضرُ من كلامه ما معناه: موضوعك في غاية الأهمية، ويخدم أدبنا المغربي، لا سيما الفترة التاريخية المتحدث عنها، لذلك ينبغي انتقاء أجود النماذج الشعرية لبيان إبداعية الشعراء المغاربة مُقارنةً مع غيرهم. تلك كانت لحظة حاسمة، عمّقت إحساسي بجدوى الأدب ومحبّته، ودفعتني للمزيد من البحث عن المصادر والنصوص، وقراءتها بوعيٍ تبصري.

مع تعاقُب الأيّام وتساقُبها، ما زلت أذْكُرُ نصائحه الثمينةَ، عن ظهر قلب، وأذْكُرُ رحابة صدرِه عند كلّ مطْلَب. كان يوصي بالنبش في مخزون الأدب المغربي، عبر الإبحار في مخطوطاته المتنوعة والإصغاء لنصوصه المتعددة، مع اجتراحِ مقارباتٍ منهجية جديدة. فهُو، وإن كان صريحا في دعوته إلى الإقليمية في تناول الأدب؛ فإن ذلك لم يعْن عنده تضييق الأفق والانحصار في إطار المحَليّة، استنادا إلى قوله: "ولكني أعتبرها الوسيلة الوحيدة للمّ شتات الأدب العربي في كل الأقطار التي أبدعته، والوسيلة كذلك للعالمية والإنسانية، بل إني أرى أنه كلما قُسم نطاق الإقليم في الدراسة إلى بيئات صغيرة، كانت دراسة الإقليم مكتملة ومستوفاة."[2]، وهو اختيارٌ منهجيّ لا يفسد للأدب قضية.

أذْكُرُ، كم مرة دعاني إلى ناديه العلمي العامر؛ غير أن تلبِية الدّعوة لم يُقيّد لها أن تتحقق. وفي هذا المقام، أشهدُ، بملء الصّدق، أنّهُ رجلٌ نبيل وعالِمٌ جليل، تجمّعت في شخصِه من الصّفات ما تفرّقَت في غيرِه. كان كُلما التقَيْته في محفَلٍ علميّ إلا وبادرني بالسؤال: أين أنت؟.. ثم يردف: الحمد لله أننا نقرأ لك ما تنشره في الإعلام الثقافي. فأجيبه بالتحية الخَجْلى التي ألِفها مني، ثم يغمُرني بابتسام وكلِمٍ طيّب. ما زلت أتساءل إلى اليوم: لِم كنتُ شديدَ الخجل كلما التقيته؟.

ولأنّي لم أشفَ من حُبّ الأدب، إذ يُلاحقني مثل ظِلّ، فقَدِ انغمستُ، إسوةً بغيري وبالأستاذ عباس الجراري، في مواكباتٍ ومصاحبات نقدية ترومُ تعزيز الصّلة بالأدب المغربي. يتعلق الأمر بمجموعة من الدراسات والأبحاث، التي شاركتُ بِها في بعض الندوات العلمية واللقاءات الثقافية، احتضنَتْها جامعاتٌ وجمعيات مدَنِيّة، في مناسباتٍ مختلفة. وهي مُداخلاتٌ ترصد جملة ظواهر وقضايا في الأدب المغربي الحديث، كما تُنصت لرموزه وأعلامِه بشأن ما اقترحوه من رؤى وتجاربَ في الكتابة والتأليف. وكنتُ أقتنِصُ بعض الفُرَص لأهديهُ نسخةً مِمّا نشرتُ في هذا الشأن، إبداعا ودراسة ونقدا[3]. وهي لحظةُ لقاءٍ لم يبخسها الأستاذ عباس الجراري حقّها من التقدير والثناء.  

لقاءات حفّزتني إلى المزيد من الاطلاع على صُنوف الأدب المغربي، ليس فقط المُعرَب منه؛ بل بِما له صلة بالموروث الشفهي والأدب الشعبي. ولعلّ الحديث عن شعر الملحون كفيلٌ بتقديم إضاءات في الباب. كان كتابه الشهير "القصيدة الزجل في المغرب"[4] أهمّ مرجعٍ لُذت بِه، إلى جانب مراجعَ أخرَ، حين هممتُ بالكتابة في الموضوع. لقد كان عباس الجراري حريصا على الاهتمام بالأدبين الشعبي والمدرسي، في آن، استِنادا إلى كون الأدب كُلّ متجانس، وفي ذلك يقول: "إن الأدب الشعبي مكمل للأدب المدرسي وأن من شأنه دراسته أن تساعد على الربط بين الأدبين واجتياز الهوة الكبيرة التي تفصل بينهما."[5]

هكذا، كلما هممتُ ببحثٍ في الأدب المغربي والنبْشِ في نصوصه، قراءة وتحليلا، لم أنشغِلْ كثيرا بالفروقات بين قديمه وحديثه، أو بين معربه وفصيحه. فقد تبنّيْتُ بدوري، مشروعا علميا ينطلق من رؤية ثقافية وبلاغية صرف ترى في الأدب المغربي وحدة متكاملةً تنبني على التّنوع والاختِلاف. لذلك فالشعر الملحون الذي نافح عنه عباس الجراري، وغيره من المهتمين وذوي التخصص، لم يتحددْ في كونه عملا مكتوبا باللهجة الدارجة فقط؛ وإنما بوصفِه تعبيرا قادرا على منْحِ مستعمليه إمكانيات جديدةً للإبداع والتوليد.

لقد كانت فرصتي لعَقْدِ قِرانٍ أدبيّ مع هذا اللون الفني، من خلال الإدمان على قراءة ما تيسّر الوصول إليه من قصائد الملحون، ثم الاستماع إلى ما يُتداول من قصائد مُغنّاة تارة بالإذاعة الوطنية وتارة عبر الوسائط السمعية البصرية. أجدُني كلما استحضرتُ حديثَه، في محافلَ متعددة، عن أشياخ الملحون ومنشدي القصائد وما في هذه الأخيرة من إشراقاتٍ فنية، مدفوعا إلى أن أعقدَ العزم على تأمُّل هذا الشعر معجما وموضوعا وتصويرا وبلاغة وإيقاعا. ومن ثمة، لم أجدْ في هذا اللون التعبيري المميز ما يحيدُ عن كونه رافدا من روافد الثقافة المغربية عامة، وجُزءا من الأدب المغربي لا يقِلّ حظوةً عن صنوه الفصيح.

ولعلي أستحضرُ هنا، موقِفه الواضح من اعتبار الشعر الملحون ديوان المغاربة، وبالتالي نهوضَه المشرف، إلى جانب لجنة متخصّصة، كُلّفت بجمع قصائد شعراء الملحون وضمّها في دواوين مستقلة بكل شاعر، سميت ب"موسوعة الملحون"[6]. وهو عملٌ توثيقيٌّ لقِي استحسانا كبيرا، خاصة في الأوساط الثقافية عبر ندوات وملتقيات متعددة المشارب، وكذا في الجامعة المغربية، حيث انخرط عددٌ من الأساتذة الباحثين وطلبة الدكتوراه في إحياءِ هذا الموروث الشعري الشعبي وإنجاز دراساتٍ متنوعة المداخل والمناهج[7]. ولأن شرْطَ الإبداعيّة وما تحمِلهُ من قيم إنسانية قد تحَقّقَ بالملموس في مجموع الأشعار التي جُمِعت، والآتي أجمل، باتَ أمر نشره والترويج له ضرورةً وطنية وثقافية.

في ذات السياق، واكبَت ملفّ ترشيح الشعر الملحون ليُدرج ضمن لائحة التراث الثقافي غير المادي للبشرية مجموعة من الجولات التعريفية بعددٍ من المدن المغربية، شاركتُ في بعضها، بمدينتي الرباط وأزمور. كانت جهودا أسهم فيها كل الفاعلين، من أشياخ ومنشدين وباحثين وكتاب ومهتمين، رفعوا تقريرا مشتركا إلى منظمة اليونسكو، كُلّلت باعترافٍ دوليّ من قِبل منظمة اليونسكو في 6 دجنبر 2023. ويكفي أن توصفَ فرحَةُ الأستاذ عباس الجراري، وهو على فراشِ المرض، عند سماع هذا الخَبر المفرح، بما هو تجسيدٌ لفوزٍ أدبي وترسيخ لهُويّة مغربية قوامُها الوحدة والتنوع.

بهذا الفكر الأصيل المنفتح على الأدب، أستحضِرُ الأستاذ عباس الجراري في كل مناسبة علمية أو تكريمية. لعلي أشيد هنا، بخاصية تميّزَ بها عن غيره تتمثل في حُضوره لجميع الجلسات العلمية ومتابعة المداخلات التي كانت تبرمج في ندوة ما، من قبل الجهة المنظمة، من بدايتها إلى نهايتها، دون كلل أو ملل. ينصت باهتمام تامّ ولا ينشغِل بكَلام.

أذْكُرُ باعتزاز، في هذا المقام، مُشاركةً لي في ندوة علمية في موضوع: (شعر الملحون الواقع والآفاق)[8] أن دبّج الأستاذ عباس الجراري كلمةً تقريضيّةً ممهورةً بتوقيعِه على نسخة من شهادتي التي تسلّمتُها نظير المشاركة، جاء فيها: "مع فائق المودة وصادق التقدير لمحَلّ الولَد الأستاذ النابغة الدكتور أحمد زنيبر". وتلك كلمة ليست كالكلمات..!

كما أذْكُرُ، صِلةً بالأستاذ عباس الجراري، إسهامي بمقالين، تخليدا للذكرى التسعين لتأسيس النادي الجراري الذي يُشرف على تدبير شؤونه العلمية والثقافية، منذ سنوات. أما المقال الأول فقد اهتمّ بالشعر الملحون، ونُشر في كتاب جماعي بعنوان: (الفن المكمول)[9]؛ أما المقال الثاني فقد عنيَ بقراءةٍ في سيرته الذاتية (رحيق العمر)[10]، تضمّن جوانبَ مهمة عن مسيرته الذاتية ومساراته الحياتية، كما رصد كثيرا من مواقفه الإنسانية والنضالية بخصوص تدريس الأدب المغربي ضمن وحدةٍ مستقلة، منها قوله: "تمكّنا من تأسيس شعبةٍ للغة العربية وآدابها في الكلية الأصلية بالرباط، وانتخِبت رئيسا لها وإن بقيت على صلة وثيقة بفرع فاس الذي أصبح كلية مستقلة، خاصة في مجال الدراسات العليا والإشراف على البحوث الجامعية."[11] وقد نُشر المقال أيضا في كتاب جماعي[12]، تضمّن بدوره عددا من المقاربات المتنوعة.

أعْلمُ أنّي، لوْ مُنحت وقتا أكثرَ، ما توقفتِ الذّاكرةُ عن التّذكُّر، وما كَفاني بحْرٌ لُجّيٌّ من حِبْر البُرور والعِرفان. غير أنّ ما كُلَّ شيء ينْقال، تكفيني تلك الإشاراتُ القليلةُ لتُرسّخ اسْمَ عباس الجراري عُنوانا لهُويّةٍ مغربية أصيلة. ويكفيني من المَجاز خَتْمٌ، على إيقاع الخبَب: إنّه، قبسٌ من ذهَب في حُبِّ الأدَب.

*/ نشرت الشهادة ضمن الكتاب الجماعي (الجامعة المغربية تحتفي بعميد أدبها) من تنسيق: ربيعة بنويس، نورة لزاري، تلكماس المنصوري، هشام هلالي. وصدر عن منشورات كلية اللغات والآدب والفنون بالقنيطرة. دجنبر 2025



[1] - عباس الجراري. الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه. مكتبة المعارف. الرباط. ط2. 1972.

[2] - المرجع السابق. ص8

[3] - من هذه المؤلفات: أطياف مائية 2007، المعارضة الشعرية عتبات التناص في القصيدة المغربية 2008، قبعة الساحر قراءات في القصة القصيرة بالمغرب 2009، مديح الصدى دراسات في أدب الغرب الإسلامي 2012، الانحياز إلى القصيدة قراءات في المتن الشعري الحديث بالمغرب 2011، الغابة اللامرئية قراءات في القصة العربية المعاصرة 2019، الكتابة والرؤية 2020، صنعة الكلام دراسات في الشعر الملحون بالمغرب 2021.

[4] - عباس الجراري. الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه. مكتبة المعارف. الرباط. ط2. 1972.

[5] - المرجع السابق. ص2.

[6] - بلغت هذه الموسوعة، التي أشرف عليها عباس الجراري، أحدَ عشر ديوانا، لحد الآن. وهي عن منشورات أكاديمية المملكة المغربية.

[7] - أحمد زنيبر. الشعر الملحون في ضيافة الجامعة المغربية قضايا وموضوعات. مجلة التراث المغربي الأصيل. العددان 10-11 أكتوبر 2024.

[8] - ندوة علمية نظمت، تكريما للمحتفى به، من قبل مؤسسة المهدي بن عبود للبحوث والدراسات والإعلام، وجرت مراسيمها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء. وقد جمعت أعمال هذه الندوة في كتاب، صدر في 2011.   

[9] - كتاب جماعي. الفن المكمول نحو مقاربة جديدة للشعر الملحون. أشرف على إعداده محمد احميدة وآخرون. منشورات النادي الجراري 2020.

[10] - عباس الجراري. رحيق العمر موجز سيرتي الذاتية. النشأة والمشروع. منشورات النادي الجراري. 2020.

[11] - المرجع السابق. ص127.

[12] - كتاب جماعي. للرحيق شميم وشمم مقاربات للسيرة الذاتية رحيق العمر للأستاذ عباس الجراري. تنسيق وتقديم محمد احميدة. منشورات النادي الجراري 2021.

تعديل المشاركة
author-img

أحـمـد زنـيـبـر

أكاديمي وناقد أدبي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. رئيس فريق البحث "الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية". عضو اتحاد كتاب المغرب وناشط جمعوي. له مؤلفات فردية وجماعيةمتعددة...
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق