U3F1ZWV6ZTkyMzU4Njc2MzA1NjBfRnJlZTU4MjY3ODM5MzQ1ODI=

الشعر والكاليغرافيا

 

لعل المتتبع للحركة الشعرية بالمغرب يلاحظ طبيعة المسار الذي وسم هذا النوع من الكتابة وميزه عن غيره من الأشكال التعبيرية الأخرى. فإذا كانت الانطلاقة الأدبية مع ظهور الدولة المغربية، زمن المرابطين وما قبله؛ فإن تلك المرحلة، بالرغم من ندرة الإنتاج، قد أفرزت مجموعة من الظواهر التعبيرية مست طبيعة التواصل الأدبي بين الشعراء المغاربة وبين نظرائهم في القطرين الأندلسي والمشرقي، تجلت في بعض النماذج من المساجلات والمعارضات، وغيرها مما له ارتباط بالتعبير عن الذات والمجتمع.

ومع مرور الزمن، في بعديه التاريخي والإبداعي، ستخط القصيدة المغربية لنفسها مسارات متعددة تفاعلت ومختلف التحولات التي مرت بها وبشعرائها، منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى فترة الستينيات والسبعينيات، حيث ارتفع عدد الإصدارات إلى أكثر من ستين ديوانا. وهو عدد راهن على النوعية أكثر من الكم، حيث أمكن الحديث، في ظل التجارب الشعرية المقترحة، عن بنية جديدة للقصيدة المغربية تروم تحديث اللغة وتشكيل الإيقاع وتنويع الرموز بما يتلاءم وروح العصر، وذلك بالابتعاد ما أمكن عن كل ارتداد ماضوي لا يخدم العمل الفني. وقد استند هذا التوجّه إلى مرجعيات عربية وأجنبية متنوعة اطلع خلالها الشعراء على ثقافات الآخر وما طرحته من رؤى وأسئلة متشابكة حول فعل الكتابة.

ولأن القصيدة ممتدة في الزمان وعابرة للمكان فقد شكلت فترة الثمانينيات لحظة من لحظات الممارسة الشعرية، حيث عرفت رواج أكثر من مائة وأربعين ديوانا تحرر شعراؤها، نسبيا، من المد السياسي ومن سلطة النموذج، وانفتحوا على شعريات تمتح من المعرفة والتصوف والفلسفة والتشكيل والموسيقى. وهو ما بدا جليا في بعض الصيغ الجديدة التي اقترحها الشعراء المغاربة، إلى جانب ما حققته القصيدتان العمودية والتفعيلية.

ولا شك أن موضوع "الشعر والكاليغرافيا" يحيل مباشرة، إلى تلكم التحولات المفصلية التي شهدتها القصيدة المغربية، خلال هذه الفترة، إذ لم تعد مجرد وثيقة، بالمعنى التاريخي؛ بل شاهدة على نفسها وعلى تاريخها المتجدد. وفي هذا السياق الإبداعي، يمكن أن نتساءل عن: ما جدوى الكتابة الشعرية وما صلتها بالحداثة؟ ما علاقة الشعري بالكاليغرافي وأيهما يؤثر في الآخر؟ كيف يوظف الشاعر بياض الصفحة في توزيع مادته الإبداعية؟ ثم ماذا عن هذا الإبدال الشعري موازاة مع تجارب أخرى، عربية كانت أم غربية؟ وبالتالي أي رهان جمالي يرومه شعراؤها الحداثيون؟ 

لقد وجد شعراء الثمانينيات، في المغرب، أنفسهم أمام خيار حداثي يتوجه بالقصيدة نحو أفق جديد، حرّ ومنفتح. توجّه نأى بالشعر عما يغرقه في المزيد من الشعارات؛ بل غدا التفكير في تأمل الشعر وإعادة النظر في وظيفته وجماليته. ولعل ما اقترحه شعراء المرحلة (أمثال مبارك وساط وعلال الحجام وصلاح بوسريف وعبد اللطيف اللعبي وعبد الله زريقة ومحمد الصابر وأحمد بركات) شاهد على مطلب التحديث الشعري من خلال تجديد سؤال المغايرة. إنه السؤال الذي حرّك مياه النهر الراكدة، فكانت الدعوة إلى ضرورة العبور من نمط القصيدة الغنائية إلى قصيدة تلامس فعليا، معنى قلق الذات وقلق الوجود في ارتباطهما بقلق المعرفة. ومن ثمة الانتقال من كتابة القصيدة، بمعناها الضيق المرتبط بعمل "الديوان"، إلى القصيدة بوصفها "عملا شعريا".

تبعا لذلك، سعى شعراء المرحلة، كل بطريقته الخاصة، إلى تخليص القصيدة المغربية من بعدها السياسي الإيديولوجي، والتركيز أكثر على شعريتها انطلاقا من إرهاصات كتابية صرف، والانتقال بها من الجماعي إلى الفردي ومن الوجداني إلى الوجودي. وهو ما يعكس وعي هؤلاء الذي "تفتق على معايشة أحداث جسام عرفها المغرب، أفرزت جيلا من المثقفين يضع كل شيء موضع السؤال." بتعبير الناقد حسن مخافي.

لقد صارت إرادة التحول مرتبطة بتجارب شعرية فتحت كوات مغايرةً لفعل الكتابة. وهو ما تبدى جليا، من خلال متن شعري شاسع ومتنوع مشحون بنزعات ذاتية ومعرفية راهنت على جمالية اللغة وبلاغة الصورة ورحابة الإيقاع. أما الانشغال بالفضاء البصري للكتابة فقد اعتبر سمة تحديثية تعكس فعل التحول والانتقال الذي شهدته القصيدة العالمية منذ 1912 بحسب هنري ميشونيك (حداثة حداثة). فقد كان الرهان الأساس على منح الشاعر الحداثي حرية أكبر في التشكيل وفق نسق كتابي مفتوح يستدعي معطيات بصرية خارجية عن الشعر نفسه، مثلما نجد في بعض أعمال رامبو ومالارميه وبول إيلوار وغيوم أبولينير، وما اقترحوه من خطيات وترسيمات وتشجيرات ومجسمات عمقت الوعي بدور العين في القراءة والتحليل (برج إيفيل).

ومن ثمة، يمكن الحديث عن رؤية جديدة لا تنظر إلى الشعر بوصفه خطابا فحسب؛ بل باعتباره نصا مكتوبا وفضاء قابلا للتأمل والتأويل. لقد تطلع الشعراء المغاربة أيضا، إلى قصيدة تجسد العودة إلى تحديث الكتابة وتطوير القصيدة، موازاة مع ما طرحه سابقا، بعض شعراء المشرق والأندلس، تارة بتأمل نماذجهم العليا ومحاورتها، وتارة بمجاوزة سقفها الإبداعي. ولنا أن نستحضر تجربة الموشح الأندلسي مثلا، وما أحدثه هذا اللون الشعري، من تغييرات هيكلية في معمار القصيدة، وما ابتكره شعراؤه من تلوينات وتسميات مثل: (المطلع، القفل، الدور، الأبيات، الأغصان، الأسماط، الخرجة) إلى جانب تشكيلات كتابية أخرى، مثل (التربيع والتفريع والتشجير والتختيم) وهو الأمر الذي شكل رافدا رئيسا من روافد الثقافة المغربية، في بعدها الشعري.  

وارتباطا دائما، بمرحلة الثمانينيات، يُذكر أيضا، أنها شكلت انعطافا ملحوظا مقارنة مع تجربة الجيل السابق، قد لقيت تفاعلا نقديا، جسدته بعض الدراسات التي تنبش في الصلات القائمة بين زمن القصيدة وكاتبها، وبين القصيدة ومتلقيها، مثل ما نجد عند إدريس الناقوري ونجيب العوفي ومحمد بنيس وعبد الله راجع. غير أن سؤال الإبداع الشعري لم يقف عند هذه الخلاصات والنتائج السابقة؛ بل تواصل البحث حثيثا، عبر دراسات تحليلية صدرت في ما بعد، تنظر في شروط الكتابة وما اتصل بها من مفاهيم مثل: الشعر والقصيدة والنص والخطاب والإنشاد والصفحة والبياض والوزن والإيقاع، وفي الواقعية والمرجعية والتخييل وغيرها. وهي نصوص كشفت عن مساحات أخرى تمت فيها اختراقات شعرية، مست الشكل والمضمون معا، وغدت بحاجة إلى قراءة وتفسير.

في سياق هذا المعنى، يقول صلاح بوسريف: "في المقترح الذي أقدمنا على دراسته، تبدت حالات الانفصال واضحة، فالبعد الشفاهي في الكتابة، بدأ يتلاشى أو يتراجع بالأحرى، أمام إقدام "حداثة الكتابة"، وهي التسمية التي اخترناها لهذه الممارسة، على وضع الشعر في مواجهة الفراغ، فالصفحة، أو البياض، باعتباره امتداداً، عمل على وعي الكتابة بشرطها الخطي، وبوضعها اليد والعين معاً، في مواجهة هذا المصير الجديد الذي ظل مُلغى ومؤجلاً، أو منسياً في الممارسات السابقة".[1] وفق ذلك، تصبح القصيدة أو الشعر بالأحرى، احتفاء بالكائن وبالوجود، وبالتالي سفرا، عبر اللغة، في اتجاه المستقبل قبل انكتابها في الزمن الواقعي.

ولعل الاستشهاد بالنماذج الشعرية كثيرة في هذا الباب، أغلبها يؤكد مراوحة الشعراء المغاربة بين كتابة محلية تستند إلى نفَس مغربي أصيل وكتابة تستمد بعض رؤاها من الشعر العالمي في لغاته المتعددة وإيقاعاته المختلفة. كما ظل سؤال الإبداعية مطروحا ليس فقط على من واصلوا الكتابة ضمن القصيدة العمودية أو التفعيلية (الأمراني، الرباوي، بنعمارة)؛ وإنما تعداها إلى من كتبوا قصيدة النثر لاحقا. في هذا السياق التفاعلي المنفتح على تعددية شعرية، بتعبير محمد بنيس، تحولت القصيدة إلى ورش مفتوح للكتابة، وأصبحت للكلمة حياة تعيد للحواس وظائفها وتشعل القصيدة وتشغلها بموضوعات لا تحفل كثيرا بالغنائية أو الملحمية. فهمُّ الشاعر في تلك اللحظة أن يخترق اللغة ويزج بها في مناطق تعبيرية غير مألوفة ولو بالكتابة عن المعيش اليومي ووصف الحالات والمواقف الخاصة.

رافق هذا المسعى التحديثي، مشروع آخر رام تحديث الشكل الشعري، فقد جرب الشاعر خلاله مقترحا فنيا يمنح مساحة كبرى للتعبير، معنى وبناء ودلالة. وهي التجربة التي أطلق عليها، في ما بعد، تسميات متعددة، من قبيل القصيدة البصرية والتشكيلية والكاليغرافية أو لزوم ما يلزم بتعبير الناقد نجيب العوفي.[2] قصيدة تفنن فيها الشاعر لتقديم قصيدة مغايرة للتلقي الشعري المألوف تتحقق شعريتها عبر الخط الطباعي أو اليدوي، وأشكال توزيعه وفق تصور ينتظم بانتظام اللغة والشكل. ومرد هذا لطبيعة التحول الذي مس الكتابة الشعرية فدخلت عالم الجدة والتحديث، وحل المكتوب محل الشفاهي، وأصبح للبياض الناتج عن التشكيل الغرافيكي وعلامات الترقيم والألوان شيفرة تساعد القارئ على القراءة، لها دورها الجمالي والدلالي في تشكيل الفضاء النصي البصري(الطباعي)، والأدائي يمكن استقراؤه على نحو مباشر. ولعل هذا ما قصده جيرار لابشيري حينما صرح بأن "القناة في الاتصال الكتابي تتميز بصريا، وتمتلك علاماتها وجودا بصريا هو الشكل البصري للدلالة"، لأن الفضاء عام لا يتضمن شيئا واحدا، وإنما يحتوي على أشياء متعددة، أولها المساحة الورقية، التي يتحقق عبر بياضها أبرز العناصر المكونة للنص، والمساحة النصية التي تتحقق فوق الصفحة تبدو أكثر حرية في استخدام علامات نصية متنوعة ك «علامات الترقيم البياض، هندسة الكتابة»، التي تترجم رؤى وإيديولوجيات الشاعر المبدع.

تبعا لذلك، لم يأت هذا الاختيار الفني اعتباطا؛ بل إن أصحابه راموا، إلى جانب الجمالية الشعرية، تحقيق جمالية بصرية أيضا، تجعل من لعبة البياض والسواد إحدى دعاماتها. إنها تجربة شكلت محطة من محطات الشعر المغربي المعاصر، كما أنها تجربة لقيت إقبالا محمودا، سواء على مستوى القراءة أم على مستوى الدراسة، نستحضر هنا دراسة محمد الماكري (الشكل والخطاب). فالقصيدة انتقلت من زمن الالتزام بالبناء الشكلي المتداول إلى زمن الانفتاح على إبدالات شعرية حديثة، تم الاحتفاء خلالها بعرس العين والأذن معا، بتعبير عبد الله راجع.

يُذكر أن أول مَنْ عمل على إدماج الخط في القصيدة هو الشاعر أحمد بلبداوي في ديوانه الأول "سبحانك يا بلدي" وفي باقي أعماله التي أنجزها بخط يده من الغلاف إلى الغلاف. تمرس بالخطوط وبرع في استعمالها، ومنها الخطان المغربي والكوفي تحديدا. ولكونه ظل وفيا لرؤيته البصرية والإيقاعية والدلالية، فقد شكلت نصوصه المكتوبة بنبض الجسد والروح، حيث اليد والدواة والحبر والريشة والمعاناة، مدخلا جديدا لقراءة هذا اللون الكاليغرافي من الشعر المغربي، علما أنه يتحفظ من نعت شخصه بالشاعر أو وصف نصوصه بالشعر في أحد تصريحاته، وهو ما يؤكد خلو أعماله من التجنيس.

ولم تقف هذه التجربة عند أحمد بلبداوي؛ وإنما تعدتها إلى غيره من الشعراء المجايلين أمثال بنسالم حميش وعبد الله راجع ومحمد بنيس، كل بطريقته ورؤيته الفنية الخاصة. ويمكن العودة إلى "بيان الكتابة" لمحمد بنيس أو "الجنون المعقلن" لعبد الله راجع لتبيّن الوعي النظري الذي انبثق عن هذا الاختيار الفني للكتابة.  ولا شك أن الطموح الذي لازم الشاعر المغربي في كسر النسق التقليدي الصارم، هو ما دفعه لخوض غمار هذه التجربة الكاليغرافية، مستحضرا تجارب عالمية وعربية بما هي وعي شعري جديد تنفتح من خلاله القصيدة على الفضاء والكتابة.

لقد صار هذا اللون من الكتابة خيارا جماليا جديدا، يمنح الشاعر خلالها للكلمات مساحة كبرى للتموقع والانتشار على بياض الصفحة، أفقيا وعموديا، يمينا ويسارا، ومن الأعلى إلى الأسفل. تموضع مكاني له منطقه الفريد ويشتغل في انسجام دال مع البنية الإيقاعية التي تساهم، هي الأخرى، في بناء النص وإنتاج المعنى. وقد يتحول الشاعر إلى مصمم ومصحح وموزع ومصفف وتشكيلي وقارئ أيضا. (ثمة أمثلة لما في هذا التوجه من جدة وحداثة، وإن لم يعمر طويلا.  

وشخصيا لم يكن هذا المعطى مغيبا في تجربتي الشعرية البكر، "أطياف مائية" 2007، بل كان حاضرا على نحو أكثر تخفيفا من التجارب الأولى التي استندت إلى الخط المغربي أو التشكيل الطباعي. غير أن الرؤية التي استند إليها الديوان تتلخص، بصريا، في: البياض، والتوزيع، وزخرفة حاشية الورقة جهة اليمين، وتحقيق التوازي بين الإيقاعين البصري والسمعي، من خلال كتابة كلمتين في نهاية كل مقطع، وفي توالي المقاطع على شكل دَرَج أو في استحضار البياضات التي تترك بين مقطعين متواليين أو سطرين من ذات المقطع، بالإضافة إلى توزيع الحروف بشكل أفقي تارة وعمودي تارة أخرى بحسب المعنى المراد.

وهي معطيات كاليغرافية تم توظيفها في سياق بصري يثري الفهم ويجسد المعنى، ومن ثمة، يروم إشراك القارئ في بناء النص وإنتاج الدلالة. وبين هذا وذاك، تحقيق المتعة والإثارة البصرية؛ إذ يمتلك النص إيقاعا آخر يدرك بحاسة البصر يضاف إلى ما يدرك بالأذن من إيقاع الكلمات.

ختاما تسهم القصيدة البصرية في تقوية الدلالة النصية، عبر توجيه تأويل المتلقي نحو اختيارات تأويلية غير مغرضة، والإسهام في بناء بلاغة بصرية، تمثل رافدا آخر من روافد جمالية النص الشعري، ومدخلا من مداخل قراءته وتأويله.

غير أن سؤالا يطفو على السطح: لماذا توقفت هذه التجربة الشعرية الكاليغرافية؟ هل استنفذت طاقتها أم أن الشاعر كان منظرا أكثر منه شاعرا؟ وتلك رؤية أخرى. 


*/ نشر المقال بالملحق الثقافي لجريدة العلم. الخميس 22 أكتوبر 2026



[1]  صلاح بوسريف. حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر. منشورات إفريقيا الشرق. الدار البيضاء. 2012 (انظر المقدمة)

[2] - نجيب العوفي. الحداثة في الأفق الشعري. مجلة الأقلام. العدد 2. السنة 1982. وزارة الثقافة والإعلام. بغداد. صص. 84-91

تعديل المشاركة
author-img

أحـمـد زنـيـبـر

أكاديمي وناقد أدبي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. رئيس فريق البحث "الخطاب البيداغوجي ورهاناته اللغوية والجمالية". عضو اتحاد كتاب المغرب وناشط جمعوي. له مؤلفات فردية وجماعيةمتعددة...
تعليقات
تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. الشكر موصول للأستاذ الدكتور أحمد زنيبر على هذا المقال المفيد والذي كنا في حاجة إليه

    ردحذف

إرسال تعليق